قوله: {يَاأَيُّهَاالَّذِينَآَمَنُواتُوبُواإِلَااللَّهِتَوْبَةًنَصُوحًا} .
قوله: {نَصُوحًا} النَّصُوحُ ضِدُّ الغِشِّ. والنَّصوحُ هاهنا أي: الخَلُوصُ؛ فالنُّصْحُ في التَّوبة يتضمَّن ثلاثةأشياء:
-الأوَّلُ: أن تَعُمَّ جَمِيعَ الذُّنوب؛ فهي تتعلَّق بما يَتُوبُ منه العَبْدُ، وَتَشْمَلُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، حتَّى تكون نصوحًا، أمَّا إذا تاب مِنْ بَعْضِ الذُّنوب فهي ليست نَصُوحًا.
-والثَّاني: إجماعُ العَزْمِ والصِّدْقُ على عدم الرُّجوع إليها البَتَّةَ.
-والثَّالثُ: تَخْلِيصُهَا من الشَّوَائِبِ القَادِحَةِ؛ فتكون التَّوبَةُ بدافع الخَوْفِ من الله وَخَشْيَتِهِ، والرَّغْبَةِ فيما عنده، لاكَمَنْ يَتُوبُ لِحِفْظِ جَاهِهِ وَمَنْصِبِهِ، وَحِفْظِ حَالِهِ.
فَنُصْحُ التَّوْبَةِ يتضمَّن تَعْمِيمَ الذُّنوب بها، والصِّدْقَ فيها، والإخلاصَ لله. وهذا أَكْمَلُ ما يكون من التَّوْبَةِ؛ تَوْبَةٌ عَامَّةٌ من جَمِيعِ الذُّنُوبِ، لا يريد بها إلاَّ وَجْهَ الله، وَيَسْتَمِرُّ عليها في جميع أَحْوَالِهِ.
فَنَسْأَلُ اللهَ تَوْبَةً صادقةً نَصُوحًا لا نَنْكُثُهَا أبدًا، وأن يُلْزِمَنَا سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حتَّى نلقاه وهو رَاضٍ عَنَّا.
رَتَّبَ اللهُ على التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَمَرَاتٍ عَظِيمَةً.
فالله أَمَرَنَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَوَعَدَ عَلَيْهَا بتكفير السَّيِّئات ودخول الجنَّات والنَّجاة مِنَ الخِزْيِ والنُّورِ التَّامِّ.
{عَسَارَبُّكُمْأَنْيُكَفِّرَعَنْكُمْسَيِّئَاتِكُمْ} : «عسى» تَدُلُّ على الوُجُوبِ؛ لأنَّ «عَسَى» من الله مُوجِبَةٌ؛ لأنَّ اللهَ وَعَدَ مَنْ تَابَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَيُكَفِّرَ عنه سَيِّئَاتِهِ؛ فلا أَحَدَ يَتْرُكُ التَّوْبَةَ استعظامًا لِجُرْمِهِ.
قوله: {يَوْمَلَايُخْزِياللَّهُالنَّبِيَّوَالَّذِينَآَمَنُوامَعَهُ} .
هذا أيضًا من ثمرات التَّوبة النَّصوح؛ أنَّهم يَسْعَوْنَ يَوْمَ القيامة بِنُورِإيمانهم؛ فالمؤمنُ يُعْطَى نورًا يَسِيرُ به، والكافرُ ليس له نُورٌ.
أمَّا المنافق فَيُعْطَى نُورًا في البداية ثمَّ يُسْلَبُ منه؛ فحينما تُلْقَى الظُّلْمَةُ على الجِسْرِ، وَتُوَزَّعُ الأَنْوَارُ على المُؤْمِنِينَ والمنافقين، ولا يَعْبُرُ على الصِّرَاطِإلاَّ أَهْلُ النُّور، تَنْطَفِئُ على أهل النِّفاق أَنْوَارُهُمْ، فَيَبْقَوْنَ في ظُلْمَةٍ، فَيُشْفِقُ أَهْلُ الإيمان، ويردِّدون هذا الدُّعاءَ.
قوله: {رَبَّنَاأَتْمِمْلَنَانُورَنَاوَاغْفِرْلَنَا} .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ النُّورُ التَّامُّ، وبالنُّورِ التَّامِّ تكون سُرْعَةُ الإنسان على الصِّراط؛ فعلى قَدْرِ ما عنده من النُّور تكون سرعتُه.
بَقِيَ: ماهي الأسباب المتمِّمةُ للنُّور يوم القيامة؟
كَثِيرَةٌ مِنْهَا: إِعْمَارُ المساجد بالذِّكر والصَّلاة.
فأين يُوجَدُ النُّورُ؟ في سورة النُّورِ ذَكَرَ - سبحانه- أنَّ نُورَ الإيمان يُوقَدُ مِنَ القُرْآَنِ، وقراءتُه بتدبُّرٍ، ويوقد أيضًا في بيوتٍ هي المساجد.
قوله: {يَاأَيُّهَاالنَّبِيُّجَاهِدِالْكُفَّارَوَالْمُنَافِقِينَ} .
هذا النِّدَاءُ السَّادِسُ الموجَّهُ للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذه السُّورَةِ؛ لأنَّ الكفَّارَ والمنافقين أَشَدُّأعداء الإسلام؛ فالكفَّارُ من الخارج، والمنافقون من الدَّاخل.
والجهادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ؛ جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيطان، وجهادُ الكفَّار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النَّفْسِ يكون بالعلم، والعمل، والدَّعوة، والصَّبر على الأَذَى، وجهادُ الشَّيطان يكون بِأَمْرَيْنِ؛ بِدَفْعِ الشُّبُهَاتِ بالعلم واليقين، وَدَفْعِ الشَّهَوَاتِ بالصَّبْرِ، وجهادُ أَهْلِ البِدَعِ والضَّلالات والمعاصي بِثَلاثٍ؛ بِاليَدِ واللِّسَانِ والقَلْبِ.
أمَّا جهاد الكفَّار والمنافقين فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ؛ بالقلب واللِّسان والمال والنَّفْسِ، وجهاد الكفَّار أَخَصُّ بِاليَدِ؛ فهؤلاء يكون بالسِّلاح والقتال في سبيل الله.