قال الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: «حَقٌّ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ مِنْ قَرَابَتِهِ وَإِمَائِهِ وَعَبِيدِهِ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ» .
قال أهلُ العلم: «أَدِّبُوهُم .. علِّموهم .. مُرُوهُمْ بالذِّكر .. أَوْصُوهُم بتقوى الله .. مُرُوهُمْ بالمعروف .. وانْهَوْهُمْ عن المُنْكَرِ، ولا تَدَعُوهُمْ هَمَلًا، فتأكلَهمُ النَّارُ يَوْمَ القيامة» .
قوله: {نَارًا} .
تَبِعَةُ المؤمن تَبِعَةٌ ثقيلةٌ ورهيبةٌ. النَّارُ هنالك، وهو متعرِّضٌ لها هو وأهله، وعليه أن يتَّقيَ هو وأهلُه النَّارَ، وَيَبْتَعِدَ عن كلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ يوصِّله إلى النَّار، ومن لم يفعل ذلك فالنَّارُ مَوْعِدُهُ.
فالواجبُ على الإنسانِ تجاهَ أَهْلِهِ من زوجةٍ، وأولادٍ، وإخوةٍ، وآباءٍ، وأمَّهاتٍ واجبٌ ثقيلٌ جدًّا. وخصوصًا تعليمَهم الخيرَ وأحكامَ الإسلام الشَّرعيَّة.
وإذا أَهْمَلَ تَعْلِيمَهُمْ، حُوسِبَ على ذلك، ومن هنا اعتنى نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بِتَعْلِيمِأَهْلِهِ وأمَّتِهِ.
قوله: {وَقُودُهَاالنَّاسُوَالْحِجَارَةُ} .
وَقُودُهَا ليس حَطَبًا ولا بالموادِّ المشتعلة، إنَّما تُوقَدُ بشيئين:
بالنَّاس وقودُها؛ أي: تتَّقد بِجُثَثِ أَهْلِ النَّار والعصاه، فتشتعل بهم النَّار.
والحجارة: قيل: حجارة الأصنام. وقيل: حجارة من الكبريت أَنْتَنُ من الجِيفَةِ.
قوله: {عَلَيْهَامَلَائِكَةٌغِلَاظٌشِدَادٌلَايَعْصُونَاللَّهَمَاأَمَرَهُمْوَيَفْعَلُونَمَايُؤْمَرُونَ} .
وَصَفَ مَنْ يَقُومُ على النَّار وهم الملائكة الموكَّلون بتعذيب أهل النَّار هاهنا بِثَلاثِأَوْصَافٍ:
-الأوَّلُ: غِلاظٌ؛ أي: ليس في قلوبهم أيُّ رحمةٍ، قد نَزَعَ اللهُ من قلوبهم الرَّحْمَةَ؛ فَطِبَاعُهُمْ غَلِيظَةٌ، ومناظرُهم مُزْعِجَةٌ، عَظِيمٌ انتهارُهم، ومفزعون بأصواتهم.
-والوصف الثَّاني: تركيبُهم في غاية الشِّدَّةِ والقوَّة؛ ففيهم من القوَّة ما لا تتصوَّره العقولُ؛ فيهينون أهلَ النَّار بقوَّتهم.
-الوصف الثَّالث: لا يَعْصُونَ اللهَ؛ أي: يَمْتَثِلُونَ أَمْرَ الله في تعذيبهم. فمهما أَمَرَهُمُ اللهُ فَيُبَادِرُونَإليه، ولا يتأخَّرون.
وفي هذا مَدْحٌ لهم؛ لطاعتهم لله، وأنَّهم لا يفعلون شيئًا مالم يُؤْمَرُوا به. يقول الله: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون} .
فالملائكةُ عِنْدَهُمْ أَوَامِرُ، وليس عِنْدَهُمْ نَوَاهٍ؛ لأنَّهم ليس عِنْدَهُمْ شَهَوَاتٌ ولا طَعَامٌ ولا شَرَابٌ، أمَّا بَنُوآَدَمَ فعندهم أَوَامِرُ وَنَوَاهٍ.
هؤلاء هم زَبَانِيَةُ النَّارِ عِيَاذًا بالله من النَّار وما يقرِّب إليها من سُوءٍ.
كلُّ ما سبق تَحْذِيرٌ من الله لعباده من أَجْلِ أن نأخذ حِذْرَنَا من النَّار وما يقرِّب إليها من قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
وإنَّ مَسْئُولِيَّتَنَا لا تَقْتَصِرُ على أَنْفُسِنَا فَحَسْبُ، بل تتعدَّاه إلى تَعْلِيمِ الأَهْلِ، وتأديبهم، وَأَمْرِهِمْ بطاعة الله، وَنَهْيِهِمْ عن معاصيه.
قوله: {يَاأَيُّهَاالَّذِينَكَفَرُوالَاتَعْتَذِرُواالْيَوْمَ} .
هذا النِّداءُ مُوَجَّهٌ للكفَّار في أرض المحشر؛ تَحْقِيرًا لهم، أمَّا المؤمنون فَوَجَّهَ اللهُ لهم الخِطَابَ كثيرًا؛ تشريفًا، وتكريمًا.
أَخْبَرَ - سبحانه -أنَّه لا يَقْبَلُ تَوْبَةَ الكافر يَوْمَ القيامة، فَيُوَبِّخَ اللهُ أَهْلَ النَّار يوم القيامة.
فقد ذَهَبَ زَمَانُ التَّوْبَةِ والاعتذار؛ فمن لم يَتُبْ في الدُّنيا، لن تُقْبَلَ مِنْهُ يَوْمَ القيامة، فلم يَبْقَ لَهُمْ سِوَى الجزاء على الأعمال.
هذا النِّدَاءُ يَشْمَلُ نِدَاءَهُمْ في الدُّنيا، وأنَّهم إذا لم يَتُوبُوا في الدُّنيا، فلن يُقْبَلَ عُذْرُهُمْ يَوْمَ القيامة، فعليهم أن يَتُوبُوا قبل أن يموتوا؛ فَلَيْسَ بعد الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدُّنيا من دارٍإلاَّ الجَنَّةُ أو النَّارُ.