المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف المعلّلُ الحكم به ظاهرًا غير خفي لأنه إذا كان خفيًا كان أشبه بالمغيب فلا يصح التعليل به وبناء القياس عليه، ومثاله تعليل القصاص بالقتل العمد فيقول المعترض العمد قصد نفسي وهو خفي فلا يصح التعليل به ولكن يصح بدلًا منه ما يظن وجوده عنده وإن كان بطبعه خفيًا ويُسمّى (( مِظنة ) )كتعليلنا نقل الملك في العِوَضين بالتراضي بين المتبايعين وقد قال تعالى: (( إلا أن يكون تجارةً عن تراض منكم ) )فإن الرضا وصف خفي لأنه من أحوال النفوس فلا يصح اعتباره علة بالاستقلال ولكن يعتبر بأمور ظاهرة تدل عليه كالإيجاب والقبول فإن قول البائع بعتُ دليل على رضاه بخروج المبيع من ملكه لقاء دخول الثمن في ماله وقول المشتري قبلتُ دليل على رضاه بخروج الثمن من ماله لقاء دخول المشترَى في ملكه، ولما كان المعتبر عندنا وجود ما يدل على الرضا الذي هو المقصود في الأصل وكان الفعل أيضًا يدل على الرضا مثل دلالة القول عليه كالمعاطاة التي تحصل بين المتبايعين ذهب فقهاؤنا إلى أن البيع ليس من شروطه الصيغة اللفظية خلافًا للشافعية الذين لا يحكمون بانعقاد البيع إلا بالصيغة اللفظية الدالة على الإيجاب والقبول وأما الحنفية فيفرقون بين الأشياء المبيعة فيشترطون في النفيسة الصيغة اللفظية ويكتفون في الحقيرة بالمعاطاة وهذا عندهم من الاستحسان، ووجهه أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة فيحسن أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل عليه صونًا للبيع من التعرض لإنكار حصول الرضا فيه.
المسألة الثالثة: يجب أن يكون الوصف منضبطًا غير مضطرب أي أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة تضعف وتقوى لذلك وجب ضبطها ليتأتى بناء الحكم عليها كالسفر مثلًا فإن الشارع رخص للمسافر في قصر الصلاة لمشقة السفر، ولكن المشقة المعتبرة في السفر غير منضبطة لأنها تتفاوت بطول السفر وقصره وكثرة الجهد وقلته