الاستصحاب يتم لو لم يوجد ناقل لتلك السلامة وهو الولوغ فإنه مظنة المخالطة للنجاسة لأنها غالب أحوال الكلاب، فيجيبهم فقهاؤنا بأن احتمال المخالطة للنجاسة ظني فلا يلزم منه الانتقال عن الحالة الأصلية وهي الطهارة ولما كان ظنيًا قلنا بكراهة استعمال سؤر الكلب وإن كان طاهرًا مراعاة لهذا الظن.
وأما الثاني وهو استصحاب حكم شرعي فإننا نجده في كل ما أباحه الشارع أو حرمه: فإباحة كل مباح تستمر إلى أن يقوم الدليل على تحريمه كإباحة عصير العنب فإنها تستمر إلى أن تتغير أوصافه وتعرض له صفة الإسكار فيحرم حينئذ، وكتحريم النبيذ المسكر فإنه يستمر إلى أن تتغير أوصافه وتزول عنه صفة الإسكار فيحل حينئذ.
وهذا النوع من الاستصحاب كثيرًا ما يختلف الفقهاء في انطباقه على
المسائل الجزئية التي تندرج تحته كاحتجاج فقهائنا على أن الرعاف لا ينقض الوضوء بقولهم إننا مجمعون على أن المتوضئ متطهر قبل الرعاف فلزم استصحاب وضوئه بعده إلى أن يدل دليل على انتقاضه، فيقول الحنفية إننا نرد صحة الاستصحاب في هذه المسألة لأن دليل الحكم فيه هو الإجماع والإجماع بعد الرعاف ليس كما كان قبله فكيف يستمر حكم بعد فقدان دليله لاسيما وقد قام الدليل على انتقاض الوضوء بالرعاف وهو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من أصابه قيء أو رُعاف أو قَلْس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم ) ) (1) .