إنّ من أهم ما يَرسم علاقة اللغة بعلم أصول الفقه؛ حروفُ المعاني التي ذكرها أئمة اللغة مثل: ابن السراج في الأصول، والزمخشري في الأنموذج، وأبو حيان في البحر المحيط، والغزني في البديع، وابن مالك في البرهان وغيره، والفارسي في الحروف، والمالقي في رصف المباني، والحسن بن قاسم المرادي في الجنى الداني، وغيرهِم من أئمة النحو واللغة.
وحروف المعاني كثيرة، نكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي يتّضح بها المقصود ويَظهر من خلالها علاقة اللغة بأصول الفقه.
وأبدأ بحرف"الفاء":
قال المرادي في الجنى الداني:"وأصول أقسام الفاء ثلاثة: عاطفة، وجوابية، وزائدة. أما العاطفة فهي من الحروف التي تشرِك في الإعراب والحكم، ومعناها التعقيب، فإذا قلت: قام زيد فعمرو؛ دلّت على أنّ قيام عمرو بعد زيد بلا مهلة، فتشارك"ثم"في إفادة الترتيب، وتفارقها في أنها تفيد الاتصال، و"ثم"تفيد الانفصال، وهذا مذهب البصريين" [1] [107] .
وذهب قومٌ منهم ابن مالك إلى أنّ"الفاء"قد تكون للمهلة بمعنى"ثم"وجعل من ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [2] [108] ، وردّ بأنها للتعقيب وتعقيبُ كلّ شيء بحسبه.
وذهب الفَرّاء إلى أنّ ما بعد"الفاء"قد يكون سابقًا إذا كان في الكلام ما يدل عليه كقوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [3] [109] . والبأسُ في الوجود واقعٌ قبل الإهلاك. وأجيب بأن معنى الآية: وكم من قرية أردنا إهلاكها، كقولهم:"إذا أكلت فسمّ الله"وقيل غيرُ ذلك.
وذهب بعضهم إلى أن"الفاء"قد تأتي لمطلق الجمع كـ"الواو"، وقال به الجرمي في الأماكن والمطر خاصّة، تقول نزلتُ نجدًا فتِهامَة، ونزل المطرُ نجدًا فتهامة، وإن كان ابتداءُ النزول بتهامة أولًا.
(1) الجنى الداني، ص 61 وما بعدها.
(2) الحج، آية 63.
(3) الأعراف، آية 04.