فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 44

فقولهم:"الدال بالوضع"يشير إلى وضع أهل اللغة؛ لأنَّ الواضع ثلاثة: أهل اللغة، وهم الأسبق، وأهلُ الشرع عن طريق نقلِهم الحقائقَ اللغويةَ إلى حقائقَ شرعيةٍ جديدةٍ قد لا يعرفها أهلُ اللغة، وأهلُ العُرْف عن طريق الاستعمالِ وتخصيصِ الحقائقِ اللغوية ببعض أفرادها.

وقد أخذ الأصوليون هذه القاعدةَ باعتبار تعلُّقها بتصرُّفات المكلَّف القولية، وفرَّعوا عليها فروعًا:

-منها إذا قال لزوجته: أمرُكِ بيدك، أو: فوَّضت إليك أمرَكِ؛ فإنه يكون كنايةً عن الطلاق؛ كما جزم به الرافعي؛ لأنَّنا إذا قلنا: إنه مشترك أو للقدر المشترك؛ فلا بدَّ من نيّةٍ تميِّز المرادَ. وإن قلنا: حقيقة في القول الطالب للفعل خاصّةً؛ فيكون استعماله في غيره مجازًا، والمجاز لا بدَّ فيه من القصد.

-ومنها بطلان الاستدلال بقوله - - - رمضان الله - - ربيع أول -: «أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم» على وجوب وضع اليدين، والركبتين والقدمين في السجود [1] [45] .

الثانية:"الأمر المجرَّد عن قرينةٍ؛ يفيدُ الوجوب"، وهو مذهب الجمهور، نصَّ عليه أحمد، وهو مذهب المالكية والشافعية والأشعريِّ.

ثمّ اختَلف العلماء في الأمر: هل يدلُّ على الوجوب بوضع اللغة أم بالشرع؟، فيه مذهبان: الأوَّل وهو كونه بالوضع؛ نقله في البرهان عن الشافعي ثمّ اختار أنّه بالشرع. وهناك قول للقيرواني أنّه يدل بالعقل [2] [46] . وفي هذه المسألة مذاهبُ أَوصلها الأصوليُّون إلى خمسةَ عشرَ مَذهبًا [3] [47] .

فهذه قاعدة لغوية وأنَّ دلالتها جاءت من طريق الوضع كما ذهب إليه بعض الأصوليين، ثمّ استعملها الأصوليون لكون الأمر صفةً من صفات الخطاب الشرعيِّ، فإنَّ الخطابَ الشرعيَّ قد يكون أمرًا، أو نهيًا، فإن كان أمرًا وجب امتثاله لقوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [4] [48] . وقول موسى لهارون: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [5] [49] . فأخذوا من هذه الآية مقدِّمة صغرى، فقالوا: تارِك الأمرِ عاصٍ، ثم

(1) 45 - التمهيد، ص 265.

(2) 46 - قواعد ابن اللحام، ص 159.

(3) 47 - المراجع السابقة والنظر المستصفى 1/ 164 والإبهاج 2/ 15.

(4) 48 الأعراف، آية 12.

(5) 49 طه، آية 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت