وقال السيوطي في الأشباه:"الكتاب الثاني: في قواعد كلية يتخرّج عليها ما لا ينْحَصِرُ من الصور الجزئية".
ولما كانت قواعد الأصول إنّما وُجدت لضبط الفروع، وكان من المسلَّم فيه أنّ كلَّ قاعدةٍ مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع في الفقه فليست من الأصول في شيء، ولما قام الدليل على علاقة النحو بالأصول؛ فإنّ هذا يلزم عنه أن تكون ثَمَّتَ علاقةٌ بين القواعد العربية باعتبارها صارت قواعدَ أصوليةً، وبين الفروع الفقهية. وهذا أمر بدهي وهو من باب علاقة الأصول بالفروع.
وقد تنبّه كثيرٌ من علمائنا إلى صلة القربى الحاصلة بين هذين العِلمين.
يقول الدكتور رضوان بن مختار بن غربية في مقدمته على كتاب زينة العرائس [1] [30] :
"والناظر في كتب الفروع على مستوى المذاهب، يدرك دون معاناة مسائلَ كثيرةً تقوم أحكامها على القواعد النحوية. خاصّة منها كتب النوويّ كالمجموع، والروضة، وكتب ابن قدامة كالمغني، والمقنع، والكافي وغيرها، ومصادر المالكية منها الذخيرة للقرافي، والجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، وكتابُ الجامع الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، وهو عمدة المصادر على الإطلاق في موضوع تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية"اهـ.
إنّ أوّلَ من مهّد لهذا العلم هو الإمام اللغويُّ ثم الأصوليُّ الفقيه: محمد بن الحسن الشيباني ـ رحمه الله ـ، صاحبُ أبي حنيفة من خلال كتاب"الأَيمان"من الجامع الكبير؛ حيث أدار مباحثَ فقهيةً كثيرةً على أُسس نحويّة ولغويّة أشاد بها الزمخشري في كتابه المفصّل، قال ـ رحمه الله ـ:"وهل سفّهوا رأيَ محمد بن الحسن الشيباني ـ رحمه الله ـ فيما أودع كتابَ الأيمان" [2] [31] .
ومن الذين نبغوا في هذا الفنّ ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء [3] [32] أنّ الفرّاء عالِمَ النحو كان يومًا عند محمد بن الحسن فتذاكروا في الفقه والنحو ففضّل الفراء النحو على الفقه، وفضّل محمد بن الحسن الفقه
(1) 30 ص 49.
(2) 31 - المرجع السابق، ص 50.