فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 44

على النحو فقال الفرّاء:"قلَّ رجلٌ أنعم النظر في العربية وأراد علمًا آخرَ إلاَّ سهل عليه"، قال محمد بن الحسن:"يا أبا زكريا، قد أنعمتَ النظر في العربية وأسألك من باب الفقه"، فقال:"هاتِ على بركةِ الله"، فقال له:"ما تقول في رَجل صلَّى فسَها في صلاته، وسجد سجدتي السهو فسها فيها؟"، فتفكّر الفرّاء ساعة ثم قال:"لا شيء عليه"، فقال له محمد:"لِمَ؟"، فقال:"لأنّ التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنّما سجدةُ السهوِ تمام الصلاة وليس للتمام تمامٌ"، فقال محمد بن الحسن:"ما ظننتُ أنّ آدميًا يلد مثلَك".

ويروي الزبيديُّ في طبقات النحويين واللغويين [1] [33] مناظرةً تَمَّتْ بين إمام النحو الكسائيِّ، وبين الفقيه أبي يوسف ـ رحمه الله ـ. قال:"دخل أبو يوسف على الرشيد والكسائيُّ يمازحه فقال له أبو يوسف: هذا الكوفيُّ قد استفرغك وغلب عليك. فقال: يا أبا يوسف، إنَّه ليأتيني بأشياءَ يشتمل عليها قلبي. فأقبل الكسائيُّ على أبي يوسف فقال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ قال: نحو أو فقه؟ قال: بل فقه. فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهًا! قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق أنْ دخلت الدار؟، قال: إن دَخَلَتِ الدارَ طُلِّقَتْ. قال: أخطأت يا أبا يوسف. فضحك الرشيد فقال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال:"إنْ"فلم يجب ولم يقع الطلاق، وإن قال:"أنْْ"فقد وجب الفعل ووقع الطلاق، قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائيَّ ...".

وقد ذكر ابن هشام ـ رحمه الله ـ في كتابه مغني اللبيب [2] [34] ما يشبه ذلك، وهو:"أنّ الرشيد كتب ليلةً إلى القاضي أبي يوسف يسأله عن قول الشاعر:"

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأمُ

فأنت طلاق، والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعقُّ وأظلمُ

فقال: ما يلزمه إذا رفع الثلاث، ونصبها؟!.

فقال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، ولا آمن فيها الخطأ إن قلتُ فيها برأيي، فأتيتُ الكسائي وهو في فراشه فقال: إن رفع"ثلاث"طُلّقتْ واحدة؛ لأنّه قال: أنت طالق، ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث، وإن نصبها طلقتْ ثلاثًا؛ لأنّ معناها أنت طالقٌ ثلاثًا وما بينهما جملة معترضة، فكتبتُ بذلك إلى الرشيد، فأرسل بجوائز فوجَّهت بها إلى الكسائي"."

ثم توالى العلماء في تصنيف كتب مستقلّة لبيان الترابط بين القواعد النحوية والفروع الفقهية.

(1) 33 - ص 127 بواسطة كتاب زينة العرائس، ص 52.

(2) - كتاب مغني اللبيب، تأليف: ابن هشام، تحقيق: مازن المبارك ومحمد على حمد الله، دار الفكر، ط 2، سنة 1969 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت