قال المرادي [1] [110] :"وقد اتّضح بما ذكرته من هذه الأقوال أنَّ ما نقله بعضهم من الإجماع على أنّ الفاءَ للتعقيب غير صحيح"، وللفاء العاطفة أحكام يضيق عن ذكرها المقامُ.
أمّا"الفاء"الجوابية فمعناها الربط وتلازمها السببية، وقال بعضهم والترتيب أيضًا كما في العاطفة ثمَّ إنّ هذه الفاءَ قد تكون جوابًا لأمرين: أحدهما الشرط"بإن"وأخواتها، والثاني ما فيه معنى الشرط نحو"أمّا".
وأما"الفاء"الزائدة فضربان: أحدهما الفاء الداخلية على خبر المتبدأ إذا تضمن معنى الشرط، نحو: الذي يأتي فله درهم، فهذه"الفاء"شبيهة بـ"فاء"جواب الشرط، وإنما جعلوها زائدة مع كونها تتضمن معنى الشرط؛ أنّ الخبر مستغنٍ عن رابط يربطه بالمبتدأ، ولكن المبتدأ لما شابه اسم الشرط؛ دخلت الفاء في خبره تشبيهًا له بالجواب، وإفادتُها هذا المعنى لا يمنع من تسميتها زائدة.
الثانية الفاء الداخلة على الفعل المقدَّم معمولُه في الأمر والنهي، مثل: زيدًا فاضربه وعمروًا لا تُهِنْ، فذهب قومٌ
-منهم الفارسي- إلى زيادتها، وذهب قوم إلى أنّها عاطفةٌ، وقالوا الأصل في زيدًا فاضرب؛ تنبّه فاضرب زيدًا، فالفاء عاطفة على تنبّه، ثمّ حذف الفعل المعطوف عليه فلزم تأخير الفاء لئلا تقع صدرًا؛ فلذلك قُدّم المعمول عليها.
وذكر النحاة معانيَ أخرى للفاء، أحدها الناصبة للفعل في جواب الطلب، نحو: لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم.
ومذهب البصريين أنّ هذه الفاء عاطفة، والفعل منصوب بأنْ مضمرة بعد الفاء، ويسمّونها"فاء السببية"نحو قوله - - - رمضان الله - - ربيع أول -: «لا تشدّدوا فيُشدَّدَ عليكم» .
وتأتي جارَّةً وهي فاء رُبَّ، ولكنّ النحاةَ ضعّفوا كونَها جارَّةً، وإنما الذي جرّ هو رُبَّ، حتى حكى ابن عصفور وابن مالك إجماعَ النحويين على أنّ الجرَّ في ذلك برُبَّ المحذوفة لا بالفاء.
وتأتي للاستئناف نحو قوله تعالى: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [2] [111] ، وهي عند التحقيق فاءُ العطف.
وتأتي بمعنى حتى كقوله تعالى: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [3] [112] . والتحقيق أنها فاءُ العطف.
(1) الجنى الداني، ص 63.
(2) الأنبياء، آية 108.
(3) الأنعام، آية 139.