فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 44

وإن كان الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق؛ فهو مفهوم أولى.

مثال الأوَّل: تحريمُ حرقِ مالِ اليتيم، فإنّه مساوٍ لتحريم أكله.

ومثال الثاني: تحريم ضرب الوالدين، فإنّه أولى من تحريم التأفيف؛ لأن الإيذاءَ فيه أشدُّ.

وأمّا مفهوم المخالفة فقد عرفوه بأنه: دلالة اللفظ على حكم في المسكوت مخالِفٍ للمنطوق، وهو أنواع: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهوم اللقب عند البعض [1] [100] .

وقالوا إنّ تعليقَ الحكم بأحَد هذه القيود؛ يدُلُُّ على انتفاءِ الحكم عند انتفاء قيدٍ منها.

ومن القواعد المقرَّرة في هذا الموضوع:"أنّ تقيد الحكم بإحدى صفتي الذات يدلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة".

ومآل هذه القاعدة هي إثباتُ حجيةِ مفهوم المخالفة، وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.

وذهب الحنفية إلى اعتبار مفهوم المخالفة من الأدلّة الفاسدة.

احتجَّ الجمهور بأنَّ أئمَّة اللغة قد عملوا بالمفهوم واعتبروه حجّةً، منهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، والإمام الشافعي، وهما من كبار أئمة اللغة من غير منازع.

واحتجّ الحنفية بأنّ الاحتجاجَ بالمفهوم أدّى إلى لازم باطل، من ذلك قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [2] [101] . فمفهوم الآية أنّ الفتيات إن لم يردن التحصنَ، يجوز إكراههن، وهو لازمٌ باطل، فما أدّى إليه -وهو العمل بالمفهوم- يكون باطلًا.

وأيضًا قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم} [3] [102] ، قالوا: لو كانت الربيبة خارج الحِجْر؛ فإنَّه يَلْزَمُ جواز نكاحها، وهو باطلٌ.

وأوردوا عليهم أمثلة كثيرة لا يقول الجمهور بالمفهوم فيها؛ لكون المفهوم موضع ضرورة، فإذا لاح للمجتهد أيُّ معنى؛ غير المفهوم من كوْنِ القيدِ خرَج مخرَج الغالِب، أو بيانَ الواقع، أو خرج مخرج تهويل الحُكم، أو تفخيم أمره، أو عارَضه منطوقٌ، فإنَّ المفهوم عند الجمهور يتعطّلُ العمل به، كما هو مقرَّر في كتب الأصول.

(1) كابن الدقاق من الشافعية.

(2) النور، آية 33.

(3) النساء، آية 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت