فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 141

ولذلك انظر إلى دعوات الأنبياء والمرسلين؛ كيف تمت هذه الدعوات؟ كل الدعوات كيف كانت؟

يأتي النبي والرسول إلى قومه فيدعو الناس إلى عبادة الله -تبارك وتعالى- وحده لا شريك له، فمن دخل في دين هذا الرسول وهذا النبي فهو قد خلع كل ما كان عليه من مسائل الجاهلية وأمورها ولو كان عادات الآباء والأجداد.

وقلت لكم فيما مضى أن هرقل عندما سأل أبا سفيان كما عند البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه-، فقال له: (ماذا يأمركم؟) ، قال: (يقول لنا: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم) [1] ، فلماذا ترك ما كان عليه الآباء والأجداد من العادات؟ حتى يتمايز هذا المسلم الذي هو من أتباع الله ورسله عن غيره.

فالمسلم حينما يخرج عن طائفة الكفر وحينما يتبرّأُ إلى الله منها ليدخل في دين الرسول ومن معه؛ يصير متميزًا عن غيره، ويشتهر العلم بين عامّة الناس -في زمن الأنبياء والمرسلين- بأنّ هذا النبي ومن معه يُسفِّهون الآلهة ويسبّونها ويسفّهون أحلامنا ويعيبون آراءنا، فينتشر العلم بذلك ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة.

وهذا الوضوح وهذه الدعوة إلى المفاصلة وهم مقيمون بين أظهر قومهم؛ تُعين على تحقيق المفاصلة الكليّة الحسيّة؛ لأنّ أعداء الرسل لا يلبثون أن يُشنّعوا على أنبياء الله ورسله وأتباعهم بقولهم:"هؤلاء الذي يسفّهون أحلامنا ويعيبون آرائنا ويسبّون آلهتنا ويريدون منا أن نذر ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا، وهؤلاء الذين أتونا بدين جديد لا نعرفه ولا يعرفه آباؤنا، هؤلاء هم الصابئون".

فيؤدي هذا إلى انتشار العلم بين عامة الناس وبلوغه لهم، وحين ذلك يُؤلّبُ السادة أتباعهم على حرب أنبياء الله ورسله، فإن كانوا أهل قوة وقدرة وشوكة قاتلوهم وإلا فارقوهم وهاجروا من ديارهم إلى من يناصرهم ويؤويهم، كما فعل الصحابة -رضي الله عنهم- بالهجرة إلى الحبشة وبالهجرة إلى مدينة رسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

(1) صحيح البخاري: (7) ، صحيح مسلم: (1773) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت