فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 141

ويدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ .. } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: (إنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ - أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآيَةَ) [1] .

ففي هذه الآية مع سبب نزولها دليل على أن المسلم لا يجوز له أن يبقى مُقيمًا في دار الكفر إذا وجدت دار الإسلام، وفي مثل ذلك يتنزَّل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رُوي في السنن بإسناد صحيح، من حديث جرير بن عبد الله: (أنا بريء من كل مُسلم يقيم بين أظْهُرِ المشركين .. لا تَرَاءَى نارَاهما) [2] .

(يقيم بين أظهر المشركين) ؛ يعني إذا قام بين أظهر المشركين طائعًا مختارًا مع وجود دار الإسلام، وهي هاهنا في هذا المقام ركنٌ من أركان الحكم، لأن الهجرة من دار الإسلام تجب إذا وُجدت دار الإسلام.

فإذا عُدمت دار الإسلام فالواجب على المسلم حين ذلك أن يبحث عن أكثر الديار التي يُحقِّقُ فيها الأمن لدينه، وأن يبدأ بما يحقّق الأمن لدينه أولًا، فإذا وُجدت دار يقدر فيها على إظهار دينه أكثر من غيرها فوجب عليه أن يفارق إلى تلك الديار، وإن كان الجميع يُطلق عليه مسمّى ديار الكفر؛ إلّا أنه يجب عليه أن يهاجر من الدار التي لا يستطيع فيها على إظهار دينه إلى دار يقدر فيها على ذلك.

وإظهار الدين ليس المراد بها هاهنا فقط أن يكون قادرًا على أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد، أو أن يكون قادرًا على أن يقصد بيت الله -تبارك وتعالى- في الحج، وإنما إظهار الدين في الأصل هو تحقيق أصله العظيم وركنه الركين والذي هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله -تبارك وتعالى-، والذي هو البراءة من الكفر وأهله، بل البراءة من أهل الكفر والكفر، نقدّمها كما قدّمها ربنا -تبارك وتعالى-.

(1) صحيح البخاري: (4596) .

(2) سنن أبي داوود (2645) ، سنن الترمذي (1604) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت