الإسلام ولهم فيها قدر وشوكة، ويقدر المسلم على إظهار دينه فلا تكون الهجرة واجبة عليه إلى المدينة، كما دلت على ذلك أحاديث عدة.
ولذلك قال ربنا -تبارك وتعالى- في شأن من كان يُسْلِم ويُقيم بين أظهر المشركين في مكة: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [1] .
فبيّن -تبارك وتعالى- أن شأن من ادّعى أنه أسلم ولكنه بقي مقيمًا بين أظهر المشركين وهو قادر على المفارقة؛ لأنه إن عجز عن مفارقتهم لأنهم أكرهوه وأجبروه ومنعوه من مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام؛ فإن التكليف يسقط عنه بالعجز، ولذلك استثنى ربنا -تبارك وتعالى- فقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [2] ، إلا هؤلاء فقد استثناهم ربنا -تبارك وتعالى-.
وأما من كان قادرًا على المفارقة فيجب عليه أن يفارق، وأمّا من بقي مقيمًا بين أظهرهم مع قدرته على المفارقة فإنه عند ذلك يُعامل معاملتهم في الظاهر، هذا إذا كان هناك طائفة إسلام في دار إسلام متمايزة عن دار الكفر التي يقيم فيها أهل الكفر، فحين ذلك من أقام في دار الكفر فحكمه حكم أهل تلك الدار، إلا إذا علمناه بعينه؛ أي إلا إذا علمنا أن شخصًا بعينه أقام بين أظهرهم وهو مُكرهٌ ومُجبرٌ، وإلا فلسنا قادرين في التمييز بين المكره منهم وبين غير المكره، وبين المتأول وغير المتأول.
وأنا أتكلم عمَّا إذا وُجدت المفاصلة الحسيّة الكليّة، يعني إذا ما وُجدت دار إسلام وإذا ما وُجد في مقابلها دار كفر؛ فحين ذلك لا يجوز للمسلم أن يبقى في دار الكفر بل يجب عليه أن يفارقها إلى دار الإسلام، فمن أقام في دار الكفر فهو يعامل بعد ذلك معاملة أهل تلك الدار إلا إذا علمنا أن شخصًا بعينه مكرهٌ أو متأولٌ أو غير ذلك، فهذا حكمهُ جاء تبعًا للعلم بحاله، وإلا فعند الجهل بحاله يعامل معاملة الكفار.
(1) سور النساء، الآية: 97.
(2) سور النساء، الآية: 98.