وكلكم يعرف الحديث الذي ذكرته مرارًا وهو ما رواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه وأرضاه- أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- احتاج إلى غلام يكتب، فقال له:"يا أمير المؤمنين إن في الحيرة غلامًا نصرانيًا حافظٌ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا" [1] ، فقال عمر -رضي الله عنه-:"قَدِ اتَّخَذْتُ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ"وقرأ قوله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} .
فهذه الآيات وما في معناها مما في كتاب الله -تبارك تعالى- كلها تؤيد ما ذكرناه؛ وهو أنّه يَحرُم على المؤمن أن يتولّى أعداء هذا الدين وأن يُعينهم وأن يُناصرهم، ولولا خشية الإطالة لأتينا بجميع الآيات المذكورة في كتاب الله -تبارك وتعالى- في هذا المقام، وفيما ذكرناه كفايةٌ إن شاء الله -تبارك وتعالى-.
أقول: إذا علمت أن هذا هو الأصلُ الواجبُ على المسلم أن يأتيَ به وأن يفعله مع أعداء هذا الدين المحاربين لله ولرسوله المُبدّلين لشريعة الله؛ فاعلم أن مقتضى براءة المسلم من هؤلاء المُبدّلين لشريعة الله -تبارك تعالى- أنه لا يجوز للمسلم أن يوالي هؤلاء الذين بدَّلوا شريعة الله -تبارك وتعالى- بأي صورة من الصور وبأي حال من الأحوال.
والمسلمُ مأمورٌ بأن يأتي من ذلك ما استطاع، فإن عجز عن شيء فلا يسقط عنه الجميع لعجزه، إذ أنَّ الميسور لا يسقط عن المكلَّف بالمعسور، أرأيت صلاة الفريضة؛ الواجب عليك فيها أن تصلي فيها قائمًا، فإن عجزت عن الصلاة قائمًا فلا تترك الصلاة، والقيام في الصلاة هو ركن من الأركان فتبطل الصلاة إن صلى الرجل قاعدًا مع قدرته على القيام لأن القيام ركن، فإن عجز عن هذا الركن فلا يترك الصلاة بل يصلي جالسًا.
المعنى أنه إذا تعسَّر عليه القيام صلى جالسًا، فالميسور أي المقدور عليه وهو الصلاة جالسًا لا يسقط بسقوط المعسور وهو سقوط ركن القيام في الصلاة، وهكذا كثير من أحكام الشريعة. وهذه القاعدة مُقرَّرة في دين الله -
(1) تفسر ابن أبي حاتم (4038) ، مصنف ابن أبي شيبة (25872) .