الأول: أن يقال أن الدين هاهنا هو الطريقة والسياسة في الحكم، فقوله ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أي في طريقته وسياسته.
وإما أن يُحملُ -وهو أفضلُ وأحسن- على أنّ يوسف -عليه السلام- قد كان نبيًا وأخاه قد كان نبيًا كذلك، وكانت شريعة الملك هي شريعة يوسف لأن الملك لما أسلم تَبِع يوسف وصار عاملًا بشرعه، وقد قال -تبارك وتعالى-: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [1] ، فالأنبياء أصلُ دينهم واحد وشرائعهم ومناهجهم مختلفة، فأراد يوسف -عليه السلام- أن يأخذ أخاه بشرع أخيه لا بشرع الملك، لأن أخاه كان نبيًا، لا أن يُحاكمه بشرع الملك والذي كان شرعه شرع يوسف -عليه السلام-، وشرع يوسف كان مُغايرًا لشرع أخيه؛ إذ أن كل منهما قد كان نبيًا وإن كان أصل دينهما واحدًا.
كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيما صحّ عنه: (الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) ؛ وأبناء العلات هم من كان لهم أبٌ واحد وأُمّهات مختلفات، ومعنى هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن أصل دين الأنبياء واحد، فأصل الدين كالأب، وأصل الدين المشترك بين الأنبياء هو الدعوة إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وأما الأمهات فهنّ بمثابة الشرائع؛ فكلّ نبيٌ له شرع غير شرع النبي الآخر، فشرع يوسف مخالفٌ لشرع أخيه، وشرع أخيه مخالفٌ لشرع موسى، وشرع موسى مخالف لشرع محمد {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} .
فعلى هؤلاء القوم الذين يُريدون أن يُبيحوا لهؤلاء المُبدّلين لشريعة الله، وللحكم بغير ما أنزل الله بفعل يوسف -عليه السلام- أن يتّقوا الله -تبارك وتعالى- فيما فعلوه. فإنه واللهِ قد حصل للمسلمين خطبٌ عظيم وأمرٌ جلل بما بدلوا من شريعة الله -تبارك وتعالى- وبما جلبوا على هذه الأمة من الشر والكفر حتى أصبح الناس يدخلون في دين الطاغوت أفواجًا تلو أفواج، نسأل الله -تبارك تعالى- أن يعصمنا وأمّة المسلمين وأن يهدينا وإياهم سواء السبيل، إنه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه.
(1) سورة المائدة، الآية: 48.