قال تعالى: {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} .
قال ابن جرير رحمه الله: (يقول الله عز وجل كما بينت لكم أيها الناس فعلي بفريق الكفر والإيمان، كذلك نمثل للناس الأمثال، ونشبه لهم الأشباه، ونلحق كل قوم من الأمثال أشكالهم) .
وروى الطبري رحمه الله بسنده عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: {أكفاركم خير من أولئكم} ، قال: (كفار هذه الأمة) [52] اهـ.
وقد جرى على هذه الأمة ما جرى على الأمم السابقة من تغير دينها، كما جرى لقوم نوح عليه السلام.
قال ابن كثير رحمه الله: (وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرا} ، قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) [53] اهـ.
وكذا عن عكرمة عند ابن جرير.
وروى البخاري بسنده عند تفسير هذه الآية أثر ابن عباس، وفيه أنها كانت: (أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم بأن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عبدت) اهـ.
وكذلك ما جرى على بني إسرائيل من نقضهم المواثيق وتبديلهم دينهم، قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ... الآيات} .
وفي السنة للخلال عن طارق بن شهاب، قال: قيل لحذيفة رضي الله عنه: أتركت بنو إسرائيل دينها في يوم؟ قال: (لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) اهـ.
وأيضا عند الخلال عن أبي البحتري قال: قيل لحذيفة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، في بني إسرائيل؟ قال حذيفة رضي الله عنه: (نعم الآخرة لكم بني إسرائيل، إن كانت لكم كل حلوة، ولهم كل مرة، لتسلكن طريقهم قد الشراك) [54] اهـ.
وقد أخرج الطبري الأثر الثاني وفيه: (نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل) ، بدلًا من (الآخرة) .
وكذلك ما حدث من تغيير العرب دين إبراهيم عليه السلام، فيما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبة في النار، وكان أول من سيب السوائب) .
وفي المسند من طريق جابر بلفظ: (غير دين إبراهيم) .
وروى ابن إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه الحديث وفيه: ( ... إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وبحر البحيرة، وسيب السوائب وحمى الحامي) [55] اهـ.
ورواه الطبري من طريقين عند تفسيره لقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ... الآية} [56] .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: (إنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم ليكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها فيكون المؤمن من المستأخرين شبه بما كان للمؤمن من المستقدمين كما قال تعالى لما قص قصة يوسف عليه السلام مفصلة وأجمل ذكر قصص الأنبياء؛ {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} ) [57] اهـ.
ففي تلك البراهين دلالة واضحة على أن من تلبس بالشرك فهو مشرك لا اختلاف في ذلك في جميع الملل وكالذين بعث فيهم نوح عليه السلام كما في أثر ابن عباس رضي الله عنهما السابق وكذلك تغيير أهل الكتاب لدينهم، وتغيير العرب دين إبراهيم عليه السلام، ومن المعلوم أنهم انسلخوا من دينهم شيئا فشيئًا، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وهم ينتسبون إلى أنبيائهم عليهم السلام ويلتزمون ببعض الشرائع كما هو معلوم من حالهم.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع هذه الأمة سنن من كان قبلها كما روى البخاري رحمه الله بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن) اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها ... الحديث) اهـ.
وروى الُبرْقاني رحمه الله في صحيحه من حديث ثوبان رضي الله عنه؛ الحديث وفيه: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان) [58] اهـ.
وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة الأوثان من الأحجار والأشجار والقبور والاستغاثة بأصحابها في الشدة والرخاء، ومن ذلك ما وقع في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله كما ذكروا عن أهل زمانهم، وعصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
وقد عقد في"كتاب التوحيد"بابًا مستقلًا في ذلك، فقال: (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان) اهـ.
فإذا تقرر هذا، نقول:
إن المشرك المنتسب للإسلام قسمان:
-قسم عاش في غير زمن فترة.
-وقسم عاش في زمن فترة.
وقبل التفصيل في القسمين نود أن ننبه أن قيام الحجة يختلف من قسم لآخر.
قال ابن القيم رحمه الله: (إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله أو تمييزه، كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له) [الطبقة السابعة عشرة] .
فمن عاش في غير زمن فترة، وهو القسم الأول: وهو من بلغته الرسالة أو تمكن من الوصول إليها، فمن كانت هذا حاله فأعرض؛ فقد قامت عليه الحجة.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في المقلد الذي تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض قوله: (فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه، لا عذرله عند الله) اهـ. [الطبقة السابعة عشرة] .
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله في ذلك: (وأما من أعرض عن الهدى ودين الحق ولم يرفع به رأسا بعد معرفته، أو مع تمكنه من معرفته، فالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية دالة على دخول هؤلاء في الوعيد، قال تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ) [59] اهـ.
ومما يزيد ذلك إيضاحا ما ذكره الشيخ محمد المعصومي في كتابه"تمييز المحظوظين من المحرومين" [60] ، قائلا: (والله العظيم؛ إن الذين يجهلون كلام ربهم ولا يجتهدون في فهمه ومعرفته فهم المحرومون عن فضل ربهم، والمحرومون من هدايته وتوفيقه وجنته ورضوانه، وهم الذين إذا ألقوا في نار جهنم قال لهم خزنتها: {ألم يأتكم نذير} ، فيقولون بلى، قد جاءتنا النذر ولكن ما صدقناهم، ولم نعتن بكلامهم، مع أن هؤلاء المحرومين يتفلسفون في العلوم الفلسفية تفلسفا، ويدققون تدقيقا، ويشقون الشعرة مئة شق، ويعتنون بالأمور الدنيوية والزخارف الفانية اعتناء عظيما، ولكن مع ذلك يجهلون كلام ربهم وأوامر إلههم، فهل يعذرون بهذا الجهل؟ كلا أبدا لا يعذرون قطعا؟ كما روى الإمام البخاري في كتاب الرقائق من صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ترتفع الأمانة ويقال للرجل: ما أحذقه! وما أذكاه! وما أعلمه! وليس في قلبه مثقال ذرة من خردل من إيمان" [61] ) ، وذكر في هذا المعنى أحاديث.
إلى أن قال: (وكل هذا حجة عليهم، فيا أخي؛ بعد أن علمت أن هذه الخطابات العامة لكافة بني البشر، فهم بأجمعهم مكلفون بفهم ذلك والإيمان به والعمل بموجبه، وبذلك قد قامت الحجة عليهم، خصوصا في هذه الأزمنة الحاضرة، منذ ألهم الله تعالى لهم اختراع هذه الآلات الحديثة - المذياع، الراديو - فهي تبلغ الأصوات من الشرق إلى الغرب في حينها، فهم بأنفسهم يتلون القرآن بأصوات موسيقية ونغمات مصريّة لأغراضهم السياسية أو للتجارة واكتساب الأموال، بهذه يقيمون حجة الله على أنفسهم وهم لا يشعرون، حتى لا يبقى لهم مجالا لأن يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فسبحان الخالق الحكيم، وإنما كرر الله هذه الخطابات العمومية في مواضع كثيرة من كتابه للتقرير، كي يقرر الحجة عليهم ويؤكدها تأكيدًا، فتنبه وتدبر ولا تكن من الغافلين المحرومين والمفتونين الهالكين) اهـ.
ولقد صدق المعصومي رحمه الله، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وتطور العلم الدنيوي، فقد ظهرت الأقمار الصناعية التي تنقل لهم الصوت والصورة معًا من مكان إلى مكان في زمن يسير، وشبكات الاتصال العالمية، من الهواتف والحاسوب الآلي - الكمبيوتر - ودقة الأبحاث العلمية وغير ذلك.
إذًا فالمكنة حاصلة في هذا الزمان في كثير من الدول المنتسبة للإسلام - سواء كانت عربية أو غير عربية - فكيف يعذر بعد ذلك من كان واقعًا في الشرك وهذه حاله معرضًا عن تعلم دينه لا يسأل عنه ولا يبحث، وقد عد العلماء الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به؛ من نواقض الإسلام، قال تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون} .
القسم الثاني؛ من كان في زمن فترة:
قال ابن جرير رحمه الله: (الفترة الفعلة من قول القائل؛ فتر الأمر يفتر فتورًا، وذلك إذا هدأ وسكن، قال تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ... الآية} [62] ) .
قال ابن جرير رحمه الله في هذه الآية: (على فترة من الرسل: يقول على انقطاع من الرسل، والفترة في هذا الموضع الانقطاع، يقول قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى على انقطاع من الرسل) اهـ.
هذا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعدها فقد انقطعت الرسل، وتكون الفترة بخفاء آثار الرسالة وضعف العلم وظهور الجهل، وتختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى آخر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لكن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تكون مع العلم بما جاء به والقدرة على العمل به، فإذا ضعف العلم والقدرة؛ صار الوقت وقت فترة في ذلك الأمر، فكانت وقت دعوة ونبوة في غيره، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع جدا) [63] اهـ.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع ذلك.
كما في حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، يسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة؛ لا إله إلا الله، فنحن نقولها) ، قال له صلة: وما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة رضي الله عنه، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة قال: (يا صلة تنجيهم من النار) - ثلاثًا - [64] اهـ.
وفي هذا الحديث؛ دلالة ظاهرة على أن أظهر شرائع الإسلام قد تخفى على كثير من الناس، وأنه من كان متمسكا بلا إله إلا الله؛ تنجيه من النار في أزمنة الفترات ما اجتنب الشرك، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ... الآية} .
ومن تمام نعمة الله وفضله على هذه الأمة؛ أنه يبعث لها من يجدد لها أمر دينها.
لما روى أبو داود بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [65] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) [أخرجه الترمذي وغيره] .
وفي أزمنة الفترات فالعلماء هم الذين يبلغون حجة الله للعباد وبهم تقوم.
قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله: (والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتبليغ عنه وحث على ذلك، وقال الله تعالى في الاحتجاج والنذارة في كتابه: {لأنذركم به ومن بلغ} ، ومن الذي يبلغ فينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم ورثة الرسل ... ) ، إلى أن قال: ( ... وبالجملة فالحجة في كل زمان إنما تقوم بأهل العلم ورثة الأنبياء) [66] اهـ.
وبعد هذا التقرير نقول:
لا يقال؛ أن أهل الفترة معذورون على الإطلاق، ولكن لا بد من تفصيل يزول به الإشكال.
كما قال ابن القيم رحمه الله:(وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض تارك للواجب عليه؛ لا عذرله عند الله، أما العاجز عن السؤال والعلم، الذي لا يتمكن من العلم بوجه؛ فهم قسمان أيضا.
أحدهما؛ مريد للهدى مؤثرًا له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة، الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره وهو غاية جهدي ونهاية معرفتي، الثاني: راضٍ بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول، لما بينهما من الفرق، فالأول؛ كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزًا وجهلًا، والثاني؛ كمن لمن يطلبه بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض، فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل ... ).
إلى أن قال: ( ... هذا في أحكام الثواب والعقاب، أما في أحكام الدنيا؛ فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في هذه المسألة) اهـ [الطبقة السابعة عشرة] .
وقد تقدم نقل الإجماع أن كلا النوعين لا ُيحكم بإسلامهم، فدخل الكافر المنتسب للإسلام في التفصيل الذي ذكره ابن القيم رحمه الله، وقد سبق بيان أن الحجة تقوم بالعلماء ورثة الأنبياء، كما تقوم بالرسل، فعلى هذا لو قام قائم لله في زمن فترة ودعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك والتنديد؛ فمن بلغه ذلك أو تمكن من الوصول إليه فأعرض، فقد قامت عليه الحجة.
وأقرب مثال على ذلك دعوة شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله في القرن الثاني عشر، فجدد لهذه الأمة أمر دينها لما كان زمانه زمن فترة.
وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد اللطيف رحمه الله فقال في حال الجزيرة وما حولها من البلاد: (ولا ُيعرف أن أحدا دعا فيها إلى توحيد العبادة أو أنكر الشرك المنافي له، بل ظنوا جواز ذلك واستحبابه، وذلك قد عمت به البلوى من عبادة الطواغيت والقبور والجن والأشجار والأحجار في جميع القرى والأمصار والبوادي وغيرهم، فما زالوا كذلك إلى القرن الثاني عشر، فرحم الله كثيرًا من هذه الأمة بظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله) [67] اهـ.
ولذلك كان أئمة الدعوة النجدية يحكمون على من مات ُمشركًا قبل ظهور الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحكم أهل الفترات.
قال أبناء الشيخ محمد والشيخ حمد بن ناصر آل معمر جوابًا على سؤال، قالوا: (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص، لعدم قيام الحجة عليه، لا ُيقال؛ إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول؛ عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، فقد ذكر أهل العلم؛ أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار ولا حكم الأبرار) [68] اهـ.
وقد بين علماء الدرعية رحمهم الله تعالى حكم من بلغته الدعوة بعد ظهورها، فقالوا: (أما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله والعمل بفرائض الله وأبى أن يدخل في ذلك وأقام على الشرك بالله وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره، ونقاتله ونشن عليه الغارة، وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا، بل الذي نتحققه ونعتقده؛ أن أهل اليمن وتهامة والحرمين والشام والعراق قد بلغتهم دعوتنا وتحققوا أنّا نأمر بإخلاص الدين والعبادة لله وننكر ما عليه أكثر الناس من الإشراك بالله) .
إلى أن قالوا: (ومثل هؤلاء لا تجب دعوتهم قبل القتال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون، وغزا أهل مكة بلا إنذار ولا دعوة، وأما إذا قدّرنا أن ناسًا لم تبلغهم دعوتنا، ولم يعلموا حقيقة أمرنا، فإن الواجب دعوتهم أولًا قبل القتال، فيدعون إلى الإسلام ونكشف شبهتهم إن كان لهم شبهة، فإن أجابوا فإنه يقبل منهم، ثم يكف عنهم، فإن أبوا حلت دماؤهم وأموالهم) [69] اهـ.
[52] تفسير سورة محمد، آية: 3، القمر، آية: 43.
[53] قصص الأنبياء.
[54] برقم 1307، برقم 1425، وقال: (محقق الكتاب إسنادهما صحيح) .
[55] صحح إسناده محقق معارج القبول للحكمي.
[56] المائدة، آية: 103.
[57] مجموع الفتاوى: 28/ 425.
[58] نقلا عن كتاب: التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
[59] منهاج التأسيس: 227 - 228.
[60] ص: 90 - 91 - 92.
[61] تنبيه: قال محقق الكتاب في حديث حذيفة المذكور: (اللفظ فيه مختلف جدًا، لكن المعنى إجمالي متفق) .
[62] المائدة، آية: 19.
[63] مجموع الفتاوى: 19/ 71.
[64] قال البوصيري رحمه الله في الزوائد: (إسناده صحيح ورجاله ثقات، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم) .
[65] قال العظيم أبادي في عون المعبود: (سكت عنه المنذري) ، وقال السيوطي في مرقاة الصعود: (اتفق الحفاظ على تصحيحه، ومنهم الحاكم في المستدرك) ، قال العظيم آبادي في عون المعبود: (سكت عنه المنذري، وقال السيوطي في مرقاة الصعود: اتفق الحفاظ على تصحيحه ومنهم الحاكم في المستدرك والبيهقي وممن نص على صحته من المتأخرين ابن حجر، وقال الزين العراقي: سنده صحيح) .
[66] مصباح الظلام: 124/ 125.
[67] مجموعة الرسائل المسائل النجدية: 3/ 340.
[68] الدرر السنية: 10/ 136 - 137 - 336 - 337، 11/ 75 - 76.
[69] الدرر السنية: 9/ 253، مجموعة الرسائل المسائل النجدية: م 5، ج 4 القسم الثاني: ص 574 - 575.