الصفحة 10 من 24

الرد على قول المؤلف: (فقيام الحجة لا يكفي فيه مجرد بلوغها، بل لا بد مع ذلك من فهم تلك الحجة، وألا تعرض للمعين شبهة معتبرة تمنعه من اعتقاد ما هو مقتضى تلك الحجة، وإلا كان معذورا إذا تأولها) [ص: 246] .

الجواب:

لم يشترط أحد من أهل العلم لقيام الحجة؛ فهمها.

والأدلة على ذلك قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون} .

روى ابن جرير رحمه الله بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: (مثل الدابة تنادى فتسمع ولا تعقل ما يقال لها، كذلك الكافر يسمع الصوت ولا يعقل) .

وروى أيضا عن قتادة: (مثل الكافر؛ مثل البعير والشاة، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدري ما عُنيّ به) .

وروى أيضا بسنده عن ابن جريج أنه قال: (سألت عطاء ثم قلت له يقال: لا تعقل - يعني البهيمة - إلا أنها تسمع دعاء الداعي حين ينعق بها، فهم كذلك لا يعقلون وهم يسمعون، فقال: كذلك) .

قال: (وقال مجاهد: {الذي ينعق} الداعي، {بما لا يسمع} البهائم) .

وروى ابن جرير رحمه الله أيضا بسنده عن السدي: ( {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} ؛ لا يعقل ما يقال له، إلا أن تُدعى فتأتي أو يُنادى بها فتذهب، وأما الذي ينعق فهو راعي الغنم كما ينعق الذي بما لا يسمع ما يقال له، إلا أن يدعى أو ينادى، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم يدعو من لا يسمع إلا خرير الكلام، يقول تعالى: {صم بكم عمي} ) [70] اهـ.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله - بعد أن ذكر الذكر التام الذي يذكره المذكر به وينتفع - قال: (وغير هؤلاء قال تعالى فيهم: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم} ، وقال تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} ، فقد أتاهم وقامت به الحجة ولكن لم يصغوا إليه بقلوبهم، فلم يفهموا أو فهموه فلم يعملوا به، كما قال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ) [71] اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله: في قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} : (أي لو علم الله من هؤلاء الكفار قبولا وانقيادا لأفهمهم، وإلا فهم سمعوا سمع الإدراك، {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ، أي: ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموا، فإن في قلوبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه) [72] اهـ.

وقال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} ، قال: (يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارا ولا أفئدتهم من شيء. الآية} ، وقال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ، هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ، ولم يكونوا صما ولا بكما ولا عميا إلا عن الهدى) ، ثم ذكر آيات.

إلى أن قال: (وقوله تعالى: {أولئك كالأنعام} ؛ أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام السارحة، التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا ... إلخ) [73] اهـ.

وروى البخاري رحمه الله من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم؛ كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيا قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .

قال ابن القيم رحمه الله في شرحه لحديث أبي موسى رضي الله عنه: ( ... ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب قبوله واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده) .

إلى أن قال بعد ذكره القسمين الأولين: ( ... القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه، لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك وهؤلاء هم الأشقياء ... ) .

وقال أيضا في هذا القسم: (لا علم له ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسا ولم يقبلوا، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار) [74] اهـ.

وقال أيضا رحمه الله في هذا الصنف: (ومن الأرض قيعان، فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا، لم تمسكه لشرب الناس، ولم تنبت به كلأ لأنها غير قابلة لحفظ الماءولا لنبات الكلأ والعشب، وهذا حال أكثر الخلق، وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين ... إلخ) [75] اهـ.

وقد نقل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله الإجماع في ذلك، فقال: (والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن؛ فهو كافر، ولا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة) [76] اهـ.

وبعد سياق هذه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة يتقرر أصل عظيم، وهو أن هناك فرق بين قيام الحجة وفهم الحجة.

وقد خالف المؤلف هذا الأصل بقوله الذي تم نقله سابقًا في عدة مسائل:

منها قوله: (فقيام الحجة لا يكفي فيه مجرد بلوغها) ، وقد تقدم الكلام في ذلك في أول الفصل.

والثاني: في قوله: (بل لا بد مع ذلك من فهم تلك الحجة) ، والأدلة السابقة تبطل هذا القول.

والثالث: قوله: (ألا تعرض للمعين شبهة معتبرة تمنعه من اعتقاد ما هو مقتضى تلك الحجة وإلا كان معذورا إذا تأولها) ، وقد سبق تقرير ما ينقضه من الكتاب والسنة والإجماع وكلام الأئمة الأعلام ومشايخ الإسلام، وأنهم اشترطوا قيام الحجة لإلحاق عقوبة الدنيا والآخرة بالمشرك، لا ليُسمى مشركًا، بل أهل القبلة متفقون على تسمية من وقع في الشرك مشركا، وإنما خالف بعض أهل البدع في حكم الجاهل المتمكن في الآخرة، وأنزلوه منزلة من لم تبلغه الدعوة - كما نقله ابن القيم رحمه الله في"الطبقة السابعة عشرة"عند كلامه على كفر المقلدة وجهّال الكفار وقد تقدم -

أما كلام شيخ الإسلام الذي ساقه المؤلف في نفس الصفحة، مستدلا به على ما قال؛ إنما فرضه ومحله في تكفير أهل الأهواء والبدع، لا في أهل الشرك والردة - وسيأتي مزيد تفصيل إن شاء الله -

[70] البقرة، آية: 171.

[71] مجموع الفتاوى: 16/ 158.

[72] بدائع التفسير: 2/ 330.

[73] الأعراف، آية: 179.

[74] مفتاح دار السعادة: 2/ 248.

[75] تقريب طريق الهجرتين: ص 178.

[76] الدرر السنية: 10/ 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت