فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 210

وأما الثاني؛

فمن رام الإصلاح تقدم الصف وقام مقام القدوة والأسوة، كما حكى الله سبحانه وتعالى عن نبيه شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ، أما التخلف هناك وراء الأكمات، والقذف بسهام الجرح من مكان بعيد فصنيع من يُكذِّب قوله فعله أصلحه الله!

واعلم أنه كثيرًا ما تختلط دعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحظ النفس والهوى، فكم من منكر لحقٍّ لما يخشاه من تبعة القيام به وتحمل مشاق تكاليفه، فيلبسه ثوب الإنكار طلبًا للمصالح ودفعًا للمفاسد - زعم - ويفتش له عن كل شاردة وواردة وشاذة وفاذة، يشوه بها واضح صورته، ويصرف بها الناس عنه، حتى يخيل للناظر أنه أصاب من الحق لبه، وأدرك ما لم يدركه الأولون فدل عليه ونبَّه.

وإلا فمن ذا الذي يعتريه الشك والشبهة في أن الصليبيين أعداء الدين صائلون على بلاد المسلمين منذ عشرات السنين بل على التحقيق منذ مئات السنين [[1] ]، وأن دفعهم من

(1) إن التاريخ يشهد على أن الغزو الصليبي لبلاد المسلمين لم يتوقف في يوم من الأيام وإلى يومنا هذا - إلا في أذهان المغفلين من أبناء أمتنا - وإنما الذي تغير في الحقب الأخيرة تعدد أجنحة المكر وتنوع أهداف الغزو، فالأغراض المحركة للحملات الصليبية الأولى كانت ثلاثة؛ دينية وسياسية واقتصادية، ولقد اتسمت في جميع مراحلها بانعدام القيم الأخلاقية بل والإنسانية، دع عنك الحقد الدفين على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإنه روح تلك الحرب ومحركها الأول، وكان البابا"أوربان الثالث"قد ألقى خطابًا في مدينة"كليرمون فران"في فرنسا سنة 488 استجابة لنداء"ألكسيس كومن"إمبراطور بيزنطا الذي طالبه بإعلان الحرب على السلاجقة الأتراك، بل على المسلمين، واسترداد بيت المقدس من أيديهم، وعلى إثر هذا انطلقت سبع حملات من الحروب الصليبية من عام 491 - 647 هـ، وفي الحملة الأولى قصد الصليبيون الديار المقدسة وفلسطين سنة 491 - 492 هـ وأبادوا مدنًا بكاملها [كما في الكامل لابن الأثير: 9/ 19، وذيل تاريخ دمشق لأبي يعلى بن القلانسي: ص136] ، ومن ذلك مدينة حيفا ومدينة بيروت أبادوا سكانهما إبادة تامة سنة 493 هـ، وأبادوا الذكور من سكان مدينة قيسارية، وقتلوا في القدس ما بين أربعين وسبعين ألفًا سنة 492 هـ، بل قتلوا فيها عائلات بأكملها ليظفروا ببيوت المدينة وكنوزها من دون أهلها، كما ذكر ذلك مؤرخو النصارى، وشهد شاهد من أهلها، من أمثال"وليم الصوري"، في كتابه"A History of Deeds done beyond the sea"ط جامعة كولومبيا سنة 1943، وكما ذكرت المؤرخة الألمانية"زري أولدنبورج"في كتابها عن الحروب الصليبية:"إن المذبحة التي أقدم عليها الصليبيون في اجتياحهم القدس تعدُّ في عداد أكبر جرائم التاريخ"، وأما وحشية التنكيل والتعذيب فقد ذكر"ألبرت الإيكسي"؛ أن أربعين من فرسان"غودفري بويون"أول ملوك اللاتين وهو أول زعيم للمملكة الصليبية في القدس - قتل سنة 1100م بسهم أثناء توجهه لحصار عكا - باغتوا سنة 493 هـ الآلاف من سكان وأهالي"أرصوف"من العاملين في الحقول واختاروا منهم 500 مثلوا بهم وجدعوا أنوفهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم حتى أثاروا بذلك الهلع والفزع في سكان البلاد، ففارق بعض البلاد جميع سكانها حتى لم يبق للحياة أثر فيها كما وقع في يافا والرملة وبيسان وطبريا [انظر كتاب القاضي الفاضل: ص4 فما بعدها] .

وهكذا وقع للمسلمين في الأندلس لما نزل الصليبيون بساحتهم وشرطوا على من أراد الإقامة من المسلمين أو الرحيل منهم 55 شرطًا ثم غدروا بهم وخانوهم وأحرقوا مصاحفهم وألقوها في النجاسات وغير ذلك مما يندى له الجبين - كما ستراه مفصلًا إن شاء الله -

وكانت هذه الحملات وحتى التي باءت منها بالفشل كالحملة الثانية سنة 539 هـ والثالثة سنة 583 هـ وهي سنة هزيمتهم في حطين، والرابعة سنة 595 والخامسة سنة 614 هـ، جميعها تهدف إلى استبدال أقوام بأقوام ومقدسات بمقدسات وإفراغ البلاد من أهلها وإحلال سكان أوروبا محلهم إذ كانوا يرون أن الأرض المقدسة لن تخلص لهم إلا إذا غيروا طبيعتها السكانية وأحلوا قومهم محل أهلها [انظر كتاب القاضي الفاضل: ص4، وفيه النقل عن مراجع أجنبية] .

وكانت السياسات الأوروبية الغابيَّة إذ ذاك لا ترى أي فرصة للتعايش مع الغير ولا التكيف مع تعدد المبادئ والعقائد والحضارات - وهو اللباس الذي تواري به الحملة الصليبية اليوم سوءتها - فلم يكن شيء سوى سفك الدماء والقتل والقهر والظلم ولم يقع شيء من التخفيف من الغلو في ذلك إلا لبعض مصالح الغزاة الصليبيين، حيث أن خطة استقدام السكان من أوروبا لم تحقق الكفاية المطلوبة لسد حاجات الزراعة والتجارة والصناعة وغيرها، مما هو قوام الحياة المدنية فأخذوا يحثون المزارعين وأصحاب المهن والتجار على البقاء أو العودة إلى الديار التي خرجوا منها! ولأن الحاجة ماسة إلى تمويل خزائن أمراء وملوك الغزاة عن طريق دافعي الضرائب والذين لم يكونوا إلا من المستضعفين من المسلمين.

وبنهاية الحملة الصليبية السابعة سنة 647 هـ والتي أسر فيها الملك الفرنسي"لويس التاسع"مع جملة من أمرائه ثم فشل محاولته غزو مصر سنة 669 هـ وهلاكه إلى سخط الله وعذابه؛ توقفت الحملات على مصر والشام وانشغل الصليبيون بحروبهم الداخلية، حتى إذا ما سقطت القسطنطينية بأيدي الفاتحين العثمانيين سنة 857 هـ كان ذلك نذير الخطر الذي أيقظ أوروبا، والتي كانت إلى ذلك الحين تتلفع بمروط الجهالة وتتخبط في متاهات الظلام، وحملها هذا الخطر الداهم على اختراق صفوف العالم الإسلامي لتكون"قرون الاختراق"الخمسة الماضية"الجذر الأساس"و"حمة الأفعى"للحملة الصليبية التي نتصدى لها اليوم بـ"أنيابها"المتباينة وأذرعتها المختلفة، لكن بوجهها المنمنم أيضًا كما ستراه عريًا مهتك الأستار بحول الله وقوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت