وأما الثاني: فموضوعُ الحديث النبويّ هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الواحد القهّار العزيز الغفّار، وهي الغاية التي لأجلها خُلقَ الخلق وقام ميزان الحقّ، فلا قائل أشرفُ من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا موضوع أشرف ممّا ابتعثه الله تعالى به. وقد قال الله تبارك وتعالى في شأن ما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {يا أيّها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربّكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا} [النساء: 174] . فسمّى ما جاء به من المحجّة الواضحة والسبل الهادية إلى ما فيه النجاة من عذاب الله «نورًا» ، وهو وإن قال المفسّرون أراد به القرآن، إلا أنّه شمل السنّة كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثلُه معه» [رواه أبو داود في السنن وأحمد في مسنده] ، وإذا علمت ذلك فأقوالُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أنوارٌ كلّها، وقد خاطب الله تعالى الأمّة بقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ، وهو أمرٌ عام في حقّ أهل زمانه، ومن جاء بعدهم، ولا وصول إلى من بعدهم إلا بالتبليغ كما قال الإمام البغويّ رحمه الله، ومن بلّغ شيئًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّما هو نورٌ يحمله من السابق إلى اللاحق، وبقدر ما يتحمل منه حفظًا وروايةً يحصل له من نضارة الوجه ونوره، ولذا دعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه، وقد قال بعض السلف رحمه الله تعالى: ما رأيت صاحب حديث إلا ورأيت النضارة في وجهه، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول ... وذكر الحديث.