وهي (الإجازة) كذلك ذكرى للذاكرين؛ بأن حملةَ العلم هُم ورثةُ الأنبياء والرسل؛ يحملُه من كل طبقةٍ عُدُولُ أهل الإسلام؛ فهم أولى الناس دخولا في قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنينَ} .
المَنْفَعَةُ الثالِثَة:
وذلك من ثَمَّ إعلانٌ عن سِمَةٍ من سماتِ أهل الحل والعقد في الأمة؛ وأنَّهم من اتصل حبلُهم بحبل إمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يَرِدُ عليه حصولُ هذا المعنى في العالِم دونَ الإجازة؛ لأنَّ حصولَهَ حينئذٍ مع الإجازةِ من بابِ أولى؛ والإجازةُ زيادةُ توكيدٍ عليه.
ولذا فالإجازَةُ اقْتِداءٌ بِمَنْ سلف، واتِباعٌ لِهَدْي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم، ألا تَرَى الرُّواةَ يقُولُونَ في الحديثِ القُدُسِيِّ: عنِ النبِيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلم فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجل.
المَنْفَعَةُ الرابِعَة:
بل عَنْدِي أنَّ ذلكَ مِن الداخِلِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: {خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} ؛ والأخْذُ: الالْتِزام، والقوَّةُ: الجِدُّ والاجِتِهاد، فاعْتَبِرْ هذا بَصَنِيعِ العُلَماءِ في بَذلِ ساعاتِ العُمُرِ في الرحْلَةِ وطلَبِ الإجازَةِ تَراهَ قدْ حازَ مِنْ مَعْنَى الآيَةِ ذُرْوَةَ السنام!.
تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ:
لكنْ يَنْبغِي أن يَتَنَبَّهَ الطالِبُ إلى أنَّ ذلكَ مُحْتاجٌ إلى سَلامَةِ النيَّةِ وحُسْنِ القَصْدِ؛ وعلى هذا مَدارُ العَمَل، أما التكَثُّرُ بِهِ مُنافَسَةً للأقْرانِ وتعالِيًا عَلَيْهِمْ فَمَاكَلَةٌ للْحسناتِ ومَجْلَبَةٌ للإثْمِ عافنا اللهُ من ذلك.
وزِدْ عَلَيْهِ أنهُ لا يُغْنِي عَنْ الجِدِّ في الطلَب، فَلَيْسَ الرسوخُ في العِلْمِ بِتَكْثيرِ الشيوخِ وحْدَه، وكم مِنْ طالِبٍ اقْتَصَرَ على شَيْخٍ أو شَيْخَينِ وفاقَ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ في الطلَبِ مَنْ سَمِعَ العَشراتِ مِنْهم!.
نَعْمْ؛ الجمْعُ بَيْنَ الحَسَنَتَيْنِ نِهايَةُ الغايَةُ وقَصْبُ السبْقِ، وما التوفيقُ إلا منْ عِنْدِ الله.
وللذهَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ كلامٌ نَفِيسٌ فِي العَيْبِ عَلَى من قَصَدَ بِذلكَ العُلُوَّ والشهْرَةَ بَينَ الأقْرانِ، ذكَرَهُ في سِيَرِ الأعْلامِ، ونأتِي بهِ في غَيرِ هذا المَوْضِع.
وعَلَى الطالِبَ أنْ يَحْرِصَ على السماعِ مِنْ أعْلامِ السنَّةِ أولًا، وأنْ يَطْلُبَ عُلُوَّ الإسنادِ؛ مَعَ مُراعاةِ السماعِ مِن العُدُولِ مِن أهلِ العلم، ومُراعاةِ الشروطِ المُعْتَبَرَةِ عندَ علماءِ الفنِّ رحِمَهم الله.
أما إنْ كانَ مَقْصُودُ الطالِبِ الترَفُّعَ علَى أهْلِ البِدَعِ ودَمْغَ أباطِيلِهم ودَحْضَ حُجَجِهِمْ؛ وأنْ يَحُلَّ بِذلكَ مَحَلَّ مَنْ يَقْتَدِي الناسُ بِهِ؛ فَمَقْصَدٌ حَسَنٌ وغايَةٌ مَحْمودَةٌ، خاصَّةً مَتى عَلِمْتَ أنَّ كثِيرًا مِن أهلِ البِدعِ يَتطاوَلُونَ على خُصُومِهِمْ مِن أهلِ السنَّةِ بِهذا، وكانَ أهْلُ السنَّةِ أحَقَّ بِها وأهْلَها، وقدْ ذكرَ الحافِظُ في الفَتْحِ أن جَماعَةَ من الصحابَةِ سَماهُمْ كانُوا يَقْصِدُونَ المَسْجِدَ فَيُحْسِنُونَ صلاتَهَمْ حتى يتَعَلَّمَ الناسُ مِنْهم، وطلَبُ الإجازاتِ مَعَ حُسْنِ القَصْدِ فيهِ هذا المَعْنى، وإنما الأعمالُ بالنيَّاتِ وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى.