واعلم - أيدك الله -؛ أن فيما قصه الله تبارك وتعالى عن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، دليل على أن الجهاد في سبيل الله من المهد إلى اللحد, وأن المسلم ينبغي عليه أن يوطن على ذلك نفسه ما عاش.
لا جرم لم تذكر قصة من قصص الأنبياء في القرآن كما ذكرت قصة موسى عليه السلام وأكثر ذلك تفصيلًا في سورة الأعراف, وتأمل ما كان في مبدأ أمره عليه السلام لما ألقته أمه في اليم, ثم التقطه آل فرعون, ثم قتل منهم نفسًا وخرج خائفًا يترقب, حتى ورد ماء مدين فأقام فيها أجيرًا يأكل من عرق يده عشر سنين, ثم بعثه الله تعالى إلى فرعون وملائه, ونجاه الله وقومه من بطشه وكيده, فخرج معهم إلى التيه وهم يكفرون تارة ويؤمنون أخرى, فأقام دهره محاربًا لعدوه, حذرًا من قومه, يدفع شر هؤلاء وينفي عن قومه ما يحل بهم من الداء والبلاء.
وفي هذا دليل على أن محاربة الأدواء الكامنة في جسد الأمة؛ ليس بأقل وجوبًا من مقاتلة عدوها، بل ربما كان الأول أعظم خطرًا وأشد ضررًا, إذ أن الأعداء مباعدون مفارقون, وهؤلاء مباطنون ملازمون, وضربة الملازم لا تكاد تخطئ ولذلك قيل:
وظلم ذوي القربى أشد مرارة على المرء من وقع الحسام المهند
ثم اعلم؛ أن الإيمان بالله والجهاد في سبيله خلتان لا قيام للدين إلا بهما, إذ سعادة الدارين بالعلم والعمل, والإيمان أفضل ما في العلم, والجهاد أفضل ما في العمل.
والله تعالى قد وعد المجاهدين بالنصر, ووعده حق لا يتخلف, لكن لا يغيبن عن بالك أن لفظ الجهاد يتناول مبادئ الجهاد من تربية العقول وتحصيل أنواع العلوم الدينية والدنيوية, وتحريض المسلمين على الأخذ بالأسباب وتكميل ما نقص منها, وتمام الجهاد دحر العدو وإعلاء راية الدين.
والحمد لله أولًا وآخرًا
وصلى اللهم على نبينا وسلم
عن مجلة"طلائع خراسان"
العدد الخامس، والسادس
ذو القعدة / 1426 هـ
ربيع الاول/1427 هـ