-الجناية على مفهوم التقوى:
منها؛ انحصار مفهوم التقوى في العبادة الفردية - من صلاة وصيام وحج وقراءة القرآن وعكوف على الذكر والدعاء ونحو ذلك - أما التقوى في تحصيل مصالح المسلمين الكلية ودفع المفاسد عن دينهم ودنياهم, والتقوى فيما تحصل به سعادة الأمة بل سعادة البشرية كلها - من التعاون والتآلف والاجتماع على أنواع الطاعات والقربات, ومن ذلك تذليل الدنيا لصالح الآخرة - فأمر لا يكاد يذكر إلا قليلًا.
والتقوى بهذا المعنى الأخير؛ هي الأصل في الشرع والدين بل كل عبادة من العبادات، فهي من جهة مشروعة مأمور بها لما لها من أثر على خدمة المصالح الكلية وتحقيقها, ألا ترى قول الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ، والانتهاء عن هذه الثلاثة خدمة للأمة كما ترى, كما أنها خدمة للفرد - ولابد - بل إن خدمة المصالح الكلية، وتحقيقها؛ هو ناموس الحياة وقانون الخليقة.
ألا ترى الوالدين يسعيان في تربية الأبناء وتعليمهم ثم في تزويجهم، وهما بذلك يعلمان أنهما يعدونهم لخلافتهما في الحياة بعد رحيلهما عنها! وكذلك حال المعلم مع التلاميذ وحال أفذاذ القادة وصالحي الأمراء مع الأتباع, وحال الكبير مع الصغير والمتقدم مع المتأخر! ولا يشذ عن ذلك إلا من أراد الله تعالى له الشقاء والحرمان, وليس هذا خاصًا بأمة الإسلام وحدها بل هو ميزان عند الأمم جميعها.
واقرأ إن شئت ما ورد في كتب حكمة اليونان أن"سولون"الحكيم [ولد سنة 640 ق. م، وتوفي سنة 559 ق. م] خرج من أثينا مغاضبًا قومه لما عصوا نصيحته، فأرسل إليه الملك"كرسيوس"خطابًا, فلما قدم عليه حقر ما رآه من الزينة والزخرف, فقال له الملك: (من أسعد الناس في نظرك؟) ، فقال له: (الملك"طيلوس"كان محبًا لأهل أثينا مسبغًا النعم عليهم, فلما أن مات حزنوا عليه كلهم أجمعون) , فتعجب الملك"كرسيوس"من"سولون"وقال: (فمن بعده؟) ، قال: (أخوان شابان أكرما أمهما, ولقد كانت تغدو كل يوم للصلاة في المعبد, فاتفق أن سائق العربة لم يوافها يومًا، فجَرَّ الأخوان عربتها بدل الثورين، فدعت لهما، فعاشا قريري العين وأحبهما الناس حبًا جمًا, ولما ماتا حزن عليهما أهل أثينا) ، فقال الملك: (أفلا تعدني سعيدًا يا"سولون"؟) ، فقال: (أنت أسعد من كثير من الناس, ولكن انتظر العاقبة) , فغضب الملك من"سولون"وأبعده, ثم ما لبثوا أن دارت رحى الحرب بين الملك وبين بعض ملوك العجم، فوقع الملك"كرسيوس"في الأسر فأُمِرَ بإحراقه وأوقدت النار، فصاح"كرسيوس": ("سولون"!"سولون"!) ، فسأل"فيزوس"- ملك العجم: (ما معنى هذا؟) ، فقص عليه القصص فرقَّ له قلب"فيزوس"وأنعم عليه فأطلقه.