وما رواه عبد الرحمن بن عوف من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه ) )فقيل: إن عمر -رضي الله عنه- رجع عنه بحديث عبد الرحمن. وقيل: إنما حدثه بعد أن كان قد عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح. وقال بعضهم: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم عليه والفرار منه نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله -عليه السلام-: (( لا يرد الممرض على المصح، وليحل
المصح إن شاء )) . لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه قدر أنه لم يقدم علسه لنجا منه. وأما إن قدم عليه موقنًا بالقدر فهو مأجور على ذلك. وإن خالف النهي لأنه ليس بنهي تحريم، قال فعلى هذا هو مخير. وقد قيل سئل مالك عن ذلك في (( جامع العتيبة ) )فقال: إن شاء قدم عليه وذكر الحديث قال: وكذلك الخروج عنه جائز إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث والمقام أفضل للحديث والاستسلام للقدر. وقد روى الزهري أن عمرو بن العاص حين أصاب الناس طاعون بالجابية قام بينهم فقال تفرقوا عنه فإنما هو نار. فقام معاذ فقال: لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( هو رحمة لهذه الأمة ) )اللهم اذكر معاذًا فيمن تذكره في هذه الرحمة. فمات في طاعون عمواس.
وروي عن عمرو أنه قال: إنه رجس فتفرقوا عنه فقال شرحبيل بن حسنة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه ) )وأراد بقوله: (( دعوة نبيكم ) )قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون ) )ووجه ما ذهب إليه عمر هو مخالفة أن يصيب الإنسان بالمقام قدر فيقول القائل لو خرج لنجا فيحصل على هذا في الأفضل من القدوم على الوباء أو الخروج عنه أو ترك ذلك
بعد القول بأنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأفضل أن يقدم وإلا يخرج وهو مذهب من أشار على عمر -رضي الله عنه- أن يقدم لأنه إذا رأى القدوم عليه فأحرى ألا يرى الخروج عنه.
والثاني: ألا يقدم وأن يخرج عنه وهو مذهب عمر -رضي الله عنه-.