فَالْجَوَابُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَقُّ فِي الْآيَتَيْنِ (أُجِيبُ) (أَسْتَجِبْ) لَا يَقْتَضِي الِاسْتِجَابَةَ مُطْلَقًا لِكُلِّ دَاعٍ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَلَا بِكُلِّ مَطْلُوبٍ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف: 55] وَكُلُّ مُصِرٍّ عَلَى كَبِيرَةٍ عَالِمًا بِهَا أَوْ جَاهِلًا فَهُوَ مُعْتَدٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فَكَيْفَ يَسْتَجِيبُ لَهُ.
وَأَنْوَاعُ الِاعْتِدَاءِ كَثِيرَةٌ، يَأْتِي بَيَانُهَا هُنَا وَفِي (الْأَعْرَافِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أُجِيبُ إِنْ شِئْتُ، كَمَا قَالَ: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ) [الانعام: 41] فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثٍ فَأُعْطِيَ اثْنَتَيْنِ وَمُنِعَ وَاحِدَةً، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي (الْأَنْعَامِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
وقيل: إنما مقصود هذا الإخبار تَعْرِيفُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ هَذَا وَصْفُ رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ أَنْ يُجِيبَ دُعَاءَ الدَّاعِينَ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْعَبْدِ يَسْمَعُ دُعَاءَهُ وَيَعْلَمُ اضْطِرَارَهُ فَيُجِيبُهُ بِمَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ) [الأحقاف: 5] الْآيَةَ.
وَقَدْ يُجِيبُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَالْوَالِدُ وَلَدَهُ ثم لا يعطيه سؤله.
فَالْإِجَابَةُ كَانَتْ حَاصِلَةً لَا مَحَالَةَ عِنْدَ وُجُودِ الدَّعْوَةِ، لِأَنَّ أُجِيبُ وَأَسْتَجِبْ خَبَرٌ لَا يُنْسَخُ فَيَصِيرُ الْمُخْبِرُ كَذَّابًا.
يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْإِجَابَةِ) .
وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ: أَنْ قُلْ لِلظَّلَمَةِ مِنْ عِبَادِي لَا يَدْعُونِي فَإِنِّي أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أُجِيبَ مَنْ دَعَانِي وَإِنِّي إِذَا أَجَبْتُ الظَّلَمَةَ لَعَنْتُهُمْ.