وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ ظَاهِرٌ، رُبَّمَا فَعَلَهُ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَلِهَذَا صَارَ أَخَصَّ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (لَعَلَّ) تَرَجٍّ فِي حَقِّهِمْ، كما تقدم.
و (تَتَّقُونَ) قِيلَ: مَعْنَاهُ هُنَا تَضْعُفُونَ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشَّهْوَةُ قَلَّتِ الْمَعَاصِي.
وَهَذَا وَجْهٌ مَجَازِيٌّ حَسَنٌ.
وَقِيلَ: لِتَتَّقُوا الْمَعَاصِيَ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ، لِأَنَّ الصِّيَامَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَوِجَاءٌ) وَسَبَبُ تَقْوَى، لِأَنَّهُ يُمِيتُ الشَّهَوَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَنْ أَرَادَ الْإِطْعَامَ مَعَ الصَّوْمِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ زَادَ فِي الْإِطْعَامِ عَلَى الْمُدِّ.
ابْنُ عَبَّاسٍ: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) قَالَ: مِسْكِينًا آخَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)
قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: (الْيُسْرَ) الْفِطْرُ فِي السفر، و (الْعُسْرَ) الصوم فِي السَّفَرِ.
وَالْوَجْهُ عُمُومُ اللَّفْظِ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78] ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ) ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا) .
وَالْيُسْرُ مِنَ السُّهُولَةِ، وَمِنْهُ الْيَسَارُ لِلْغِنَى.
وَسُمِّيَتِ الْيَدُ الْيُسْرَى تَفَاؤُلًا، أَوْ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ لَهُ الْأَمْرُ بِمُعَاوَنَتِهَا لِلْيُمْنَى، قَوْلَانِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) فَكَرَّرَ تَأْكِيدًا.
(وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا لِلدَّاعِي قَدْ يَدْعُو فَلَا يُجَابُ؟