وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ (الصَّالِحِينَ) لَيْسَ بِمَعْنَى الَّذِينَ صَلَحُوا، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، كَمَا يُقَالُ الرَّجُلُ وَالْغُلَامُ.
قُلْتُ: وَقَوْلٌ رَابِعٌ أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنَّهُ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، فَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، مَجَازُهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
وَرَوَى حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ - وَهُوَ حَجَّاجٌ الْأَسْوَدُ، وَهُوَ أَيْضًا حَجَّاجٌ الْأَحْوَلُ الْمَعْرُوفُ بِزِقِّ الْعَسَلِ - قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الصَّالِحِينَ أَنْتَ أَصْلَحْتَهُمْ وَرَزَقْتَهُمْ أَنْ عَمِلُوا بِطَاعَتِكَ فَرَضِيتَ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ كَمَا أَصْلَحْتَهُمْ فَأَصْلِحْنَا، وَكَمَا رَزَقْتَهُمْ أَنْ عَمِلُوا بِطَاعَتِكَ فَرَضِيتَ عَنْهُمْ فَارْزُقْنَا أَنْ نَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ، وَارْضَ عنا.
(إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ(131)
الْإِسْلَامُ هُنَا عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ.
وَالْإِسْلَامُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ لِلْمُسْتَسْلِمِ.
وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا، وَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فقد استسلم وَانْقَادَ لِلَّهِ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ آمَنَ بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ فَزَعًا مِنَ السَّيْفِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْإِيمَانُ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٌ، لِقَوْلِهِ: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) الْآيَةَ.