فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ مُؤْمِنًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أو مسلم) الْحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ الْإِسْلَامَ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بَاطِنٌ، وَالْإِسْلَامُ ظَاهِرٌ، وَهَذَا بَيِّنٌ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْإِيمَانُ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامِ وَيُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ، لِلُزُومِ أَحَدِهِمَا الْآخَرِ وَصُدُورِهِ عَنْهُ، كَالْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ ودلالة على صحته، فاعلمه. وبالله التوفيق.
(فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
إِيجَازٌ بَلِيغٌ.
وَالْمَعْنَى: الْزَمُوا الْإِسْلَامَ وَدُومُوا عليه ولا تفارقوه حَتَّى، تَمُوتُوا.
فَأَتَى بِلَفْظٍ مُوجِزٍ يَتَضَمَّنُ الْمَقْصُودَ، وَيَتَضَمَّنُ وَعْظًا وَتَذْكِيرًا بِالْمَوْتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَمُوتُ وَلَا يَدْرِي مَتَى، فَإِذَا أُمِرَ بِأَمْرٍ لَا يَأْتِيهِ الْمَوْتُ إِلَّا وَهُوَ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنْ وَقْتِ الْأَمْرِ دائبا لازما.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ(134)
فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُضَافُ إِلَيْهِ أَعْمَالٌ وَأَكْسَابٌ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَبِفَضْلِهِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبِعَدْلِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْآيُ فِي الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
فَالْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لِأَفْعَالِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَتْ لَهُ قُدْرَةً مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، يُدْرِكُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ حَرَكَةِ الِاخْتِيَارِ وَحَرَكَةِ الرَّعْشَةِ مَثَلًا، وذلك التمكن هو مناط التكليف.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)
الْخِطَابُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ.