قَالَ: وَنَظِيرُهُ قِيَامُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لَا يَتَقَدَّمُ دُعَاءَ اللَّهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) .
وَضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ مَعَ التَّكْوِينِ وَالْوُجُودِ.
وَتَلْخِيصُ الْمُعْتَقَدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُومَاتِ بِشَرْطِ وُجُودِهَا، قَادِرًا مَعَ تَأَخُّرِ الْمَقْدُورَاتِ، عَالِمًا مَعَ تَأَخُّرِ الْمَعْلُومَاتِ.
فَكُلُّ مَا فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ فَهُوَ بِحَسَبِ الْمَأْمُورَاتِ، إِذِ المحدثات تجيء بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ.
وَكُلُّ مَا يُسْنَدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ فَهُوَ قديم لم يَزَلْ.
وَالْمَعْنَى الَّذِي تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ (كُنْ) : هُوَ قَدِيمٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ «فَإِنْ قِيلَ» : فَفِي أَيِّ حَالٍ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؟ أَفِي حَالِ عَدَمِهِ، أَمْ فِي حَالِ وُجُودِهِ؟
فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ عَدَمِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَأْمُرَ إِلَّا مَأْمُورًا، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ آمِرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ وُجُودِهِ فَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ فِيهَا بِالْوُجُودِ وَالْحُدُوثِ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ حَادِثٌ؟
قِيلَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَجْوِبَةٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نُفُوذِ أَوَامِرِهِ فِي خَلْقِهِ الْمَوْجُودِ، كَمَا أَمَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا وَارِدًا فِي إِيجَادِ المعدومات.
الثاني - أن الله عز وجل عالم بما هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَكَانَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَةٌ بِعِلْمِهِ قَبْلَ كَوْنِهَا مُشَابِهَةً لِلَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ، فَجَازَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: كُونِي.
وَيَأْمُرُهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِهَا لَهُ وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَالِ الْعَدَمِ.