قوله عز وجل:"الكتاب". الشيء يوصف بما هو ملابس له كقولنا: زيد قائم، إذ كان قائمًا حالة إخبارنا بذلك، وبما يؤول إليه، كقوله عليه السلام:"من قتل قتيلاً فله سلبه"، أي من يؤول إلى القتيل، لأن القتيل لا يقتل، والأول حقيقة والثاني مجاز بلا خلاف، وبما كان عليه، كقوله عز وجل: {وآتوا اليتامى أموالهم} ، واليتيم، لا يصدق عليه بعد
البلوغ اليتيم إلا باعتبار أنه كان يتيمًا. وهل هذا حقيقة أو مجاز؟ للعلماء فيه مذهبان.
الكتاب هاهنا بمعنى المكتوب، وهو مصدر سمي بيه المفعول. ووقت نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مكتوبًا، مع أنه قد أطلق عليه مكتوب حالة الإنزال، فوصفه بذلك: إما باعتبار ما يؤول إليه، لأنه كتب في المستقبل، أو باعتبار ما كان عليه في اللوح المحفوظ، وهذا هو الصحيح. لأن في الصحيح أن الصحابة رضوان الله عليهم لما دُعوا إلى كتابته امتنعوا وكرهوا ذلك، ولو فهموا عن الله عز وجل أنه مكتوب باعتبار المستقبل ما امتنعوا، فدل ذلك على أنهم فهموا أنه مكتوب باعتبار ما كان عليه.
فائدة: كتب عثمان رضي الله عنه القرآن، لأن الناس كانوا يقرؤون بالحروف السبعة، فكان بعضهم ينكر على بعض، ويكفره بعدم علمه بالقراءة الأخرى، فقيل: أدرك الناس، وإلا
ضلوا كما ضل بنو إسرائيل، فجمعه حينئذ.
وأما عمر رضي الله عنه فجمعه بسب آخر وهو أن يوم اليمامة قتل قراء كثير، فخشي رضي الله عنه أن يعدم القرآن لعدم القراء فجمعه.
وأما تحديد السور فمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكون هذه قبل هذه أيضًا توقيف ثابت على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الأحاديث الواردة في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت على أنه رتبها في الصلاة على نحو ما هي مرتبه الآن. وترتيب السور في نفسها واجب، وتنكيسها محرم، وترتيبها مع غيرها مندوب. فكتب القرآن على عهد رسول الله لكن يسيرًا مفرقًا