وهذه الحروف عند الأكثر أسماء للسور، فلا ينصرف في موضع الخفض للعلمية والتأنيث.
فائدة: وإذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور، وجدتها نصف [أسامي] حروف المعجم، أربعة عشر: الألف واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء والياء والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. ثم تجدها مشتملة على أنصاف أجناس حروف المهموسة والمجهورة [والرخوة]
والشديدة، والمطبعة، [والمنفتحة] والمستعلية، والمنخفضة، وحروف القلقلة. ثم إذا استقرأت الكلام تجد هذه الحروف هي أكثر دورانًا مما بقي. ودليله أن الألف واللام لما كانت أكثر تداولاً، جاءت في معظم هذه الفواتح. فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.
قوله عز وجل: {ذلك الكتاب} (2: 2) .
إشارة بـ"ذلك"إلى البعيد من المكان والزمان حقيقة، وشبه به البعد في الرتب فمن التشبيه قصة يوسف لما قالت النسوة في حقه: ما هذا بشر. فأشرن إليه إشارة القريب، لأنه لم يعل عندهن في الرتبة كما علت رتبته عند زليخا. وزليخا، لما علت رتبته عندها وعظم لديها، أشارت إليه بذلك: إشارة البعد المفرط، فقالت:"فذلكن الذي لمتنني فيه". فتكون الإشارة بذلك إلى القرآن، لعلو رتبته وشرف قدره.
قال الفراء: أشير له بذلك لانقضائه، والمنقضي
كالغائب، ولو كان شيئًا قائمًا يرى لم يجز أن يجعل"ذلك"موضع"هذا"، ولا"هذا"موضع"ذلك".
قال ابن عطية: قيل"ذلك"بمعنى"هذا"هاهنا، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف. وقيل: الإشارة إلى غائب، واختلفوا فيه، فقيل [التوراة والإنجيل، وقيل، اللوح المحفوظ، أي الكتاب] الذي هو القدر. وقيل: الذي وعد الله به نبيه. وقيل: الذي لم ينزل من القرآن بعد. وقيل الذي وعد به بنو إسرائيل.