والثَّاني: أنَّ (يودُّ) يقتضي أن يكون في خبرهِ (لو) كما في قولِهِ: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} [البقرة: 96] وقولهِ: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} [النساء: 89] ويقتضي أن يكون في أخْبُرِهِ (إنْ) كما في هذه الآية و (لو) للماضي، و (أنّ) للمستقبل. ثم قد تستعمل (لو) مكانَ (إن) ؛ و (إنْ) مكان (لو) يقامُ أحدهما مقام الآخر، ويقولُ الإنسان: أنا أتَمنَّى لو كان لي ولدٌ، ويقول: أتَمنَّى إن كان لي ولدٌ. وإذا كان معنى التمنِّي قد يقعُ على الماضي صحَّ عطفُ الماضي عليهِ.
(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(270)
وإنَّما قالَ: {يَعْلَمُهُ} ولم يقل يعلمُهَا؛ لأنه ردَّهُ إلى الآخرِ منهُما كقولهِ تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} [النساء: 112] . وإنْ شئتَ حَمَلْتَهُ على (ما) التي قبلهُ كقوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] ولم يقل: بهما.
(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ...(275)
وإنَّما لم يقل: فَمَنْ جَاءَتهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبهِ؛ لأن تأنيثَ الموعظةِ ليس بحقيقيٍّ، فيجوزُ تذكيرهُ ويجوز أن ينصرفَ إلى المعنى، كأنه قالَ: فمن جاءَهُ وعظٌ ونُهي من ربهِ عن الرِّبا.
(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} ؛ أي يبغضُ كلَّ جاحدٍ تحريمَ الربا؛ فاجرٍ عاصٍ بأكلهِ واستحلالهِ.