ويقال: الحكمةُ في تقديرِ عدَّة الوفاة بأربعةِ أشهر وعشرٍ ما روي عن عبدِالله بن مسعودٍ أنه قالَ: [يُجْمَعُ خَلْقُ أحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، وَأرْبَعِيْنَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِيْنَ يَوْماً مُضْغَةً، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوحُ فِي عَشْرَةِ أيَّامٍ، فَيُكْتَبُ أجَلُهُ وَرزْقُهُ وَأنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيْدٌ] . فيجوزُ أنَّ الله قدَّر هذه في عدَّة الوفاة؛ ليظهر أنَّها حاملٌ أو حائل.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ...(255)
فإن قيل: ما معنى نفي النومِ بعد نفي النعاسِ؟
قلنا: مثلُ هذا اللفظِ إنَّما يكونُ لنفي قليلِ النوم وكثيرهِ، ونظيرهُ قول العرب: فلانٌ لا يَملكُ قليلاً ولا كثيراً.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ...(258)
فإن قيل: لِمَ لَمْ يَثْبُتْ إبراهيمُ على الحجَّة الأولى؛ والانتقالُ من الحجة إلى حجَّةٍ أخرى في المناظرةِ غيرُ محمودٍ؟
قيل: عنهُ أجوبةٌ:
أحدُها: أن إبراهيم كان داعياً ولم يكن مُناظراً، فمى كان يراهُ أقربَ إلى الهداية أخذَ به.
والثاني: أنه روي أنه قالَ لنمرود: إنكَ أمَتَّ الحيَّ ولم تُحْيي الميَّتَ، والانتقالُ بعد الإلزامِ محمودٌ.
والثالث: أن نَمرودَ كان عالماً أن ما ذكرهُ ليس بمعارضةٍ وكان مَن حوله من أصحابهِ يوقنون بكذبهِ في قوله: {أنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} لكن أرادَ التمويهَ على أغمَار قومه كما قال فرعونُ للسحرة حين آمنوا: أن هذا المكرَ مكرتُموه في المدينةِ، كذلك فعلَ نَمرودُ بقوله: {أنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . فتركَ إبراهيم إطالةَ الكلامِ، وعَدَلَ إلى حجَّةٍ مسكتةٍ لا يُمكنه التمويهُ فيها.