(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(159)
اختلفَ المفسرونَ في هؤلاءِ اللاعنين؛ فقال قتادةُ: (هُمُ الْمَلاَئِكَةُ) . وقال عطاءُ: (الْجِنُّ وَالإِنْسُ) .
وقالَ الحسنُ: (عِبَادُ اللهِ أجْمَعُونَ) .
وقالَ ابنُ عباسٍ: (كُلُّ شَيْءٍ إلاَّ الْجِنَّ وَالإنْسَ) .
وقال مجاهدٌ: (اللاَّعِنُونَ: الْبَهَائِمُ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ إذا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ وَأمْسَكَتِ الْقَطْرَ، وَيَقُولُونَ: هَذَا لِشُؤْمِ بَنِي آدَمَ) .
وقال عكرمةُ: (دَوَابُّ الأَرْضِ وَهَوَامُهَا حَتَّى الْخَنَافِسَ وَالْعَقَاربَ، فَيَقُولُونَ: مُنِعْنَا الْقَطْرَ لِمَعَاصِي بَنِي آدَمَ) .
وإنَّما قالَ لِهذه الأشياء اللاعنونَ ولم يقل اللاعناتُ؛ لأن مِن شأن العرب إذا وصفت شيئاً من البهائم والجمادات بما هو صفةٌ للناس من قولٍ أو فعل أنْ يخرجوهُ على مذهب بني آدم وجمعهم كقوله تعالى حاكياً عن يوسف عليه السلام: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات وأشباه ذلك.
(إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(169)
فإن قيل: كيفَ يصحُّ أنْ يأمرَ الشيطانُ وهو لا يشاهَد ولا يسمَع صوته؟
قيل: معنى يأمركم يدعوكم ويرغبكم كما يقول الإنسان: نفسي تأمرُني بكذا؛ أي تدعوني إليه.
(وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(174)
أي لا يكلمهم كلاماً ينفعُهم ويسرهم كما يكلمُ أولياءَه من البشارةِ والرضا، وأما التهديدُ فلا بدَّ منه لقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] .