قال الكسائي: إنَّمَا ارْتَفَعَ {لاَ تَعْبُدُونَ} لأَنَّ مَعْنَاهُ: أخَذْنَا مِيْثَاقَ بَنِي إسْرَائِيْلَ أنْ لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللهِ. فَلَمَّا أَلْقَى (أنْ) رَفَعَ، وَمِثْلُهُ: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} ، ونظيرهُ قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] يريدُ: أنْ أعبدَ؛ فلما حذفَ (أنْ) الناصبةَ عاد الفعلُ إلى المضارعة.
وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب: (لاَ تَعْبُدُوا) جزماً على النَّهيِ؛ أي وقل لَهم: لا تعبدُوا إلاَّ الله.
ومعنى الآيةِ: أمَرْنَاهُم بإخلاصِ العبادةِ لله عَزَّ وَجَلَّ.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وإنَّما قال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ} وأحدُهما والدةٌ؛ لأن المذكَّرَ والمؤنَّثَ إذا اقترَنَا غلبَ المذكرُ لخفَّته وقوَّته.
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84)
لا يقتلُ بعضُكم بعضاً بغيرِ حقٍّ، وإنَّما قال ذلك لمعنَيَين:
أحدُهما: أن كلَّ قومٍ اجتمَعُوا على دِينٍ واحد فهم كنفسٍ واحدة.
والآخرُ: وهو أن الرجلَ إذا قَتَلَ غيرَهُ فكأنَّما قتلَ نفسه لأنه يقادُ ويقتصُّ منه.
(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ...(95)
أي أسلَفَت من المعاصِي وكتمان صِفَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقولهُ: {أَبَداً} يعني هي مدَّةُ العمرِ.
وأما بعدَ ذلك فإنَّهم يَتَمَنَّوْنَهُ في الآخرةِ وقتَ مشاهدةِ العذاب.
وإنَّما أضافَ إلى الأيدِي؛ لأنَّ أكثر المعاصي تكون باليدِ.
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)