قوله: {واستغفروا الله} وذلك أن النبي - عليه السلام - قال:"دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فأجَابَنِي: أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ إِلاَّ ذُنُوبَهَا فيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَلْقِي، فَأعْدَتُ الدُّعَاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المُزْدَلِفَةِ قُلْتُ: يَا رَبّ، إِنَّكَ قَادِرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا الْمَظْلُوم مِنْ ظَلامَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمَ، فأَجَابَنِي أَنِي قَدْ غَفَرْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَحِكْتُ مِنْ عَدُوِّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ مَا سَمِعَ، أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَيَضَعُ التُّرَابَ عَلَىَ رَأْسِهِ".
فأمر المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله.
ومعنى: {واستغفروا الله} . استدعوا المغفرة.
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210)
وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه وقت لا يدعي فيه أحد أمراً ولا نهياً ولا ملكاً ولا مقدرة، والدنيا يها الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحداً شيئاً، فلذلك خص الله رد الأمور إليه في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا.
(وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)
قال قطرب:"معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير".
وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها.
وقيل: معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل.
وقيل: معناه: نحو محاسبة أي ما يخاف أحداً، يحاسبه عليه.
وقيل: معناه: بغير حساب للمعطَى. أي يعطيه من حيث لا يحتسب.