وقريب منه قوله تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} [الصافات: 93] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.
ومن ذلك قوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ومنه: {ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46] .
(فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ(90)
قوله: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ} أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل.
{على غَضَبٍ} متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه السلام] .
وقال ابن عباس:"الغضب الأول لتضييعهم لما في التوراة، والثاني بجحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم".
وقال عكرمة:"الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [صلى الله عليه وسلم] ".
وقال مجاهد:"الأول بكفرهم بعيسى صلى الله عليه وسلم والإنجيل."
والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"."
قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .
أي وللجاحدين بمحمد صلى الله عليه وسلم عذاب مهين.
وسُمي مهيناً لأنه يذل الكافر فلا يخرج من ذلته أبداً.
فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة الله وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذاباً غير مهين، وهو ما ذكرنا.
(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91)
والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير.
"وتَقْتُلُونَ"بمعنى"قتلتم"، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك قوله: {مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] .