قَوْله تَعَالَى: {فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله}
«فإنْ قيلَ» : مَا معنى قَوْله: {مِمَّا كتبت أَيْديهم} والكتب لَا يكون إِلَّا بِالْيَدِ؟
قيل: ذكره مُبَالغَة فِي التَّحْقِيق.
وَقيل: مَعْنَاهُ أَنهم كتبُوا بِأَنْفسِهِم اختراعا.
قَوْله تَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : الْقَتْل كَانَ من آبَائِهِم فَكيف خَاطب الْأَبْنَاء بِهِ؟
الْجَواب قُلْنَا: قتل الْأَنْبِيَاء وَإِن وجد من الْآبَاء لَكِن الْأَبْنَاء رَضوا بِهِ، ووالوهم عَلَيْهِ؛ فَلهَذَا خَاطب الْأَبْنَاء بِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: {فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل} على صِيغَة الِاسْتِقْبَال، فَكَانَ اللَّائِق بِالْحَال أَن يَقُول فَلم قُلْتُمْ؟
وَأما قَوْله: {فَلم تقتلون} مَعْنَاهُ: فَلم قتلتم، لَكِن الْعَرَب قد تضع الْمَاضِي فِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل، والمستقبل فِي مَوضِع الْمَاضِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله: {من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين} يَعْنِي فِي زعمكم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: مَا كُنْتُم مُؤمنين على النَّفْي. كَقَوْلِه تَعَالَى: {قل إِن كَانَ للرحمن ولد} أَي: مَا كَانَ للرحمن ولد. وَفِيه قَول آخر سَيَأْتِي.
قَوْله تَعَالَى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}
«فإنْ قيلَ» : مَا معنى إِنْزَال السحر على الْملكَيْنِ، وَمَا معنى تَعْلِيم السحر من الْملكَيْنِ، وَكِلَاهُمَا مستبعد؟!
قيل: أما إِنْزَال السحر: بِمَعْنى التَّعْلِيم والإلهام يَعْنِي علما وألهما السحر.
وَقيل: هُوَ حَقِيقَة الْإِنْزَال، وَهُوَ إِنْزَال هَيْئَة السحر وكيفيته؛ لِيَنْتَهُوا عَنهُ، وَأما تَعْلِيم السحر من الْملكَيْنِ: بِمَعْنى الْإِعْلَام. وَمثله قَول الشَّاعِر:
(تعلم أَن بعد الغي رشدا ... وَأَن لهَذِهِ الغبر انقشاعا)
يعْنى: اعْلَم.
وَقيل: هُوَ على حَقِيقَة التَّعْلِيم، ثمَّ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنَّهُمَا يعلمَانِ كَيْفيَّة السحر لِيَنْتَهُوا عَنهُ كَانَ الرجل يأتيهما فَيَقُول: مَا الَّذِي نهى الله عَنهُ؟ فَيَقُولَانِ: الشّرك.
فَيَقُول: وَمَا الشّرك؟ فَيَقُولَانِ: كَذَا وَكَذَا.
ويأتيهما آخر فَيَقُول: مَا الَّذِي نهى الله عَنهُ؟ فَيَقُولَانِ: السحر.