يعني صلاتكم إلى بيت المقدس , فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل , وسبب ذلك أن المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة , قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف من مات من إخواننا؟ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمَانَكُم} .
«فإن قيل» : هم سألوه عن صلاةِ غيرهم , فأجابهم بحال صلاتهم؟
قيل: لأن القوم أشفقوا , أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي , فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين , على أنه قد روى قوم أنهم قالوا: كيف تضيع صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك.
{إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الرأفة: أشد من الرحمة , وقال أبو عمر عمرو بن العلاء: الرأفة أكثر من الرحمة.
{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها}
«فإن قيل» : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة , حتى قال تعالى له في الكعبة {فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} ؟
قيل: لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببيت المقدس , لَمَّا أمره الله تعالى به , لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى , لكن معنى ترضاها: أي تحبها وتهواها , وإنما أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين , لما فيها من تآلف قومه وإسراعهم إلى إجابته , ويحتمل أن يكون قوله: {تَرْضَاهَا} محمولاً على الحقيقة بمعنى: ترضى ما يحدث عنها من التأليف , وسرعة الإجابة
{الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}
«فإن قيل» : أفكان شاكّاً حين نهى عنه؟
قيل: هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به غيره من أمته.
{أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
«فإن قيل» : فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم؟
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس , فغلب حكم الأكثر على الأقل.
والثاني: أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى: {يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} .
{وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
«فإن قيل» : كيف يرزق من يشاء بغير حساب وقد قال تعالى: {عَطَاءً حِسَاباً} [النبأ: 36] ؟
ففي هذا ستة أجوبة:
أحدها: أن النقصان بغير حساب , والجزاء بالحساب.