قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّراً , وهذا قول السدي. والثاني: معناه أن طهرا مكان البيت. {لِلطَّائِفِينَ} فيهم تأويلان: أحدهما: أنهم الغرباء الذين يأتون البيت من غربة , وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أنهم الذين يطوفون بالبيت , وهذا قول عطاء. {وَالْعَاكِفِينَ} فيهم أربعة تأويلات:
أحدها: أنهم أهل البلد الحرام , وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. والثاني: أنهم المعتكفون وهذا قول مجاهد.
والثالث: أنهم المصلون وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم المجاورون للبيت الحرام بغير طواف , وغير اعتكاف , ولا صلاة , وهذا قول عطاء.
{فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ}
«فإن قيل» : كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم , وإنما يُمَاتُون؟
قيل: هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى , لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام , لا إلى الموت , ومعناه: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت.
قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا}
«فإن قيل» : فهل للإيمان مثل لا يكون إيماناً؟
قيل معنى الكلام: فإن آمنوا مثل إيمانكم , وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا , وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف.
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إلاّ لِنَعَلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}
«فإن قيل» : الله أعلم بالأشياء قبل كونها , فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟
قيل: في قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} أربعة تأويلات:
أحدها: يعني إلا ليعلم رسولي , وحزبي , وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه , كما قالوا: فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا.
والثاني: أن قوله تعالى: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى: إلا لنرى , والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية , والرؤية مكان العلم , كما قال تعالى {ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ} يعني: ألم تعلم.
والثالث: قوله تعالى: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم , فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها.
والرابع: أن قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك , وهذا قول ابن عباس.
{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم}