ويقال: إنما كان النهي عن الأكل من الشجرة للمحنة، لأن الدنيا دار محنة، وقد خلقه من الأرض ليسكن فيها، فامتُحِن بذلك، كما امتُحن أولاده في الدنيا بالحلال والحرام. فذلك قوله عز وجل: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي فتصيرا من الضالين بأنفسكما.
(وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ)
«فإنْ قِيلَ» : ما معنى قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) وقد كفر به قبلهم مشركو العرب، قيل له: معناه وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ في وقت هذا الخطاب.
ويقال: إن أحبار اليهود كان لهم أتباع، فلو أسلموا أسلم أتباعهم ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم، فهذا معنى قوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من قومكم.
(وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا) أي بكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم عرضاً يسيراً، لأنهم كانوا عرفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود، وكانت لهم رئاسة، فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم فقال: (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا) أي عَرَض الدنيا وإنما سماه قليلاً، لأن الدنيا كلها قليل.
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ(45)
وقال مجاهد: استعينوا بالصبر والصلاة يعني بالصوم والصلاة، وإنما سمي الصوم صبراً لأن في الصوم حبس النفس عن الطعام والشراب والرفث.
وقد قيل الصبر على ثلاثة أوجه: صبر على الشدة والمصيبة، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأكثر أجراً، وصبر عن المعصية وهو أشد من الأول والثاني، وأجره أكثر من الأول.
وفي هذا الموضع أراد الصبر على الطاعة.
قوله تعالى: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) أي الاستعانة ويقال: الصلاة لكبيرة أي ثقيلة (إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) أي المتواضعين. ويقال: الذليلة قلوبهم.
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ(46)
أي يستيقنون أنهم يبعثون يوم القيامة بعد الموت.
وإنما سمي اليقين ظناً، لأن في الظن طرفاً من اليقين، فيعبَّر بالظن عن اليقين.