ووجه ثالث وهو أن الإنسان متى تحرى فعل الخير على ما يجب وكما يجب يدعوه ذلك إلى أن يزيد في فعل الخير فلا يزداد، حتى إنما يصير مثل ملك فيه الفضيلة وبازدياده في الإيمان وفعل الخيرات يزداد ثوابه، فحيث ما ذكر التضعيف، فأشار إلى الحالة الأولى وحيث ما ذكر عشرة أمثالها وسبعمائة فإلى الأحوال المتوسطات وحيث ما ذكر، {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} ، فإلى المنتهيات والغايات وأنها لا يحصرها عدد كما قال: عليه الصلاة والسلام:"ما لا عين رأت ولا أذن سمعت".
قوله: {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}
قد تقدم أن الهداية على أربعة أضرب:
هداية بالفطرة، وهداية ببعث الرسل، وهما عامان لكل مكلف.
وهداية بالتوفيق لمن يستحق الاهتداء، وهداية هي ثواب الآخرة، وهاتان لا تكونان للكافر.
«إن قيل» : ما وجه قوله تعالى: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} والضعف يقال في عدد ما يصح أن يوجد نصفه ولم يجر هاهنا ذكر عدد ولا ما يقتضي عدداً؟
قيل: إنه لما كان لكل قطعة أرض قدر من الريع لا يكاد يزيد عليه بيَّن تعالى أن دخل هذه الجنة ضعفا ما يقتضي مثلها من الأرضين.
«إن قيل» : لم قال: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فجمع جمع القلة؟
قيل: تنبيها أن ذلك الفعل لا يكاد يوجد إلا في قليل من الناس، فصار في تخصيص الأنفس إشارة إلي نحو قوله - عز وجل - {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ولهذه النكتة - قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قال: عليه الصلاة والسلام لأصحابه:"الشرك أخفى فيكم من دبيب النملة على الصفاة في الليلة الظلماء"
تنبيهاً أنه قلَّما ينفك عمل من رياء وإن قلَّ.
«إن قيل» : كيف قال: (أيود) وهو مستقبل، ثم قال: (وأصابه الكبر) فأتى بلفظ ماضي؟
قيل: قد قال الفراء: لما كان يود يتلقى مرة بـ أن يكون، ومرة بـ لو كان، جاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر، لاتفاق المعنى، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كان له جنة، وأصابه الكبر.