قيل: إنه قد عمهم من حيث قد أباحه لهم وقيضه، لكن لم يهتد به الكل، فإن هدايته لا يدركها إلا من جلى بصيرته، وشحذ فهمه ليعرفه، فيهتدي به، وقد قال بعض الصالحين: ما أكثر الهدى وأقلَّ من يرى، ألا ترى أن نجوم السماء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العلماء؟
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
«إن قيل» : ليس جوابهم طبقًا لسؤالهم فإن سؤالهم عما ينفق، والجواب عمن ينفق عليه؟
قيل: في ذلك جوابان:
أحدهما أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ينفق؟ وعلى من ينفق؟ ولكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازا، ودل عليه الجواب بقوله: {مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} ، كأنه قيل: المنفق هو الخير، والمنفق عليهم هؤلاء، فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة.
والجواب الثاني أن السؤال ضربان سؤال جدل وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدا عليه ولا ناقصاً عنه، وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يصير فيه كطبيب دقيق يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه، طلبه المريض أو لم يطلبه، فلما كان حاجتهم إلي من ينفق عليهم كحاجتهم إلى ما ينفَق بين لهم الأمرين.
«إن قيل» : كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم؟