«إن قيل» : لم فصل بقوله: (لا تقولوا) الآية بين هذه الآية والتي قبلها من قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} وهي بمعزل منهما؟
قيل: بل هي متصلة بهما، لأنه لما حث على الصبر وأكثر الصبر إنما لطلب الحياة ولما يعين علي الحياة، بين تلك الآية أن ذلك الصبر يوصل إلى حياة باقية كما قال: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} وكما قال - عليه السلام:"اللهمَّ لا عيشّ إلا عَيشُ الآخرةِ"
ليرغبنا في الصبر، ثم لما قرر ذلك أنبأ عما يحملنا من هذه المحن كي يخف علينا تحملها، ثم ختمه بقوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} .
«فإن قيل» : ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟
قيل: الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن لن يعرف مقصده في فعله قال: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} فدل أن حقيقة تحمل الصبر لابد له من معرفة المقصود به، وقال عليه السلام"أعطيت أمتي ما لم يعط أحد، قال يعقوب عند المصيبة (يا أسفى) وأعطيت أمتي أن يقولوا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ."
وقال عليه السلام:"من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلقاً يرضاه"،
وقال عمر في ذلك:"نعم العدلان، ونعم القلادة"، وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعا لهم.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
وإنما قال: (صلوات) على الجمع تنبيها على كثرتها منه، وأنها حاصلة في الدنيا توفيقاً وإرشادا، وفي الآخرة ثواباً ومغفرة، ثم بين أن من كان كذلك فهو المهتدي تنبيهاً علي ملازمة هذه المعاني الصبر.