قيل: لأنه يقتصر من العبد على شكر نعمه، ولا يقتصر منه على أن لا يكفر نعمه، بل نهى عن الكفر به أكثر مما نهى عن كفر نعمه، إذ قد يعفو عن كفر بعض النعم ولا يعفو عن الكافر المطلق.
«إن قيل» : لم قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ولم يقل:"مع المصلين"وقال في أخرى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} فاعتبر الصلاة دون الصبر؟
قيل: لما كان فعل الصابرين أشرف وأعلى من الصبر، إذ قد ينفك الصبر من الصلاة، ولا تنفك الصلاة من الصبر ذكر ههنا الصابرين، فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابر، كان لا محالة مع المصلي أكثر، ثم قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها أنها أشرف منزلة من الصبر فقد ترك توفية حق الصلاة من تصبر في كثير من الأحوال.
قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}
«إن قيل» : هل ابتلاء الله الناس بهذه النوائب عام لهم أم خاص لبعضهم؟ وهل ذلك في زمان دون زمان؟ أو في كل زمان؟
قيل: أما بالنظر الخاصي فعام لهم وفي كل زمان، وذاك أن الناس لا ينفكون في الدنيا في شيء من الحالات عن شيء ما من المحن، بل في حال اليسار يساق بهم إلى محنة فإذا ما هم في محنة وإن كانوا في صحة، ولهذا روي:"كفى بالسلامة داء".
وقال الشاعر:
إذا كان الشبابُ يعوُدُ شيباً ... وهمَّا فالحياةُ هيَ الحمامُ
فالعاقل بتفكره يعلم أن ماله وبدنه وذويه ونعمه عارية مستردة، فإذا عرضت له نائبة كان له من الصبر مطية لا تكبو، ومن الرضا بقضاء الله سيف لا ينبو، وإما بنظر أعم من ذلك، فإن الله تعالي أجرى عادة الدنيا أن لا تنفك من هذه الآفات المذكورة، وأنها قد تنال الأخيار كما تنال الأشرار، جعلها ابتلاء لأوليائه لكي إذا تلقوها بالصبر حط بها وزرهم، وأعظم به أجرهم.