قيل لم يقصد بذلك أنك كنت ساخطًا، وإنما كان - عليه السلام - يحركه السر، ويعلم بما يلقى في رُوعه أن الله تعالى يريد تغييراً في القبلة، وكان يتشوفه ويحثه، وقيل معنى (ترضاها) أي يرضاها، لكي يبين بهذا القول أن مرادك لم يخالف مرادي.
وقول مجاهد وابن زيد، أحب النبي عليه السلام التوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود، وقول ابن عباس فإنه أحبها اقتداء بإبراهيم عليه السلام، وقول الزجاج إنه أحبها لاستدعاء العرب بها إلى الإسلام فكلها صحيحة إذ لا منافاة بين هذه الإرادات، وهذه منزلة يشير إليها أولو الحقائق، ويذكرون
أنها فوق التوكل، لأن قضية المتوكل الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير فهو به، وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريده فعله، وربما يكون ذلك بوحي من خارج لقوله تعالى لإبراهيم (أَسْلِمْ) وربما كان ذلك بإلهام من باطن كما أوحى إلى أم موسى، ومعنى (تقلب وجهك في السماء) أي تطلعك الوحي المنزل.
وقيل: إن في ذلك تنبيهاً على حسن أدبه حينما انتظر ولده يسأل، فالولي الذي حصلت له القربة قد ينقص عن المسألة اتكالاً على ما تيسر له، كما روي عنه عليه السلام أنه قال أن الله تعالى يقول: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل من ما أعطي السائلين) .
وعلى ذلك أول أمية بن أبي الصلت:
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاهُ من تعرضك الثناء.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) }
«إن قيل» : من أين علم أهل الكتاب أن ذلك حق؟
قيل: لما تضمن كتبهم من ذكر النبي - عليه السلام - ، وعلمهم أن عبادة الله أن يخص كل رسول من أولي العزم بقبلة غير قبلة من تقدمه أنفاً.
«إن قيل» : كيف خاطبه أولاً بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} ثم عم بقوله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} ؟