قيل: قد قال بعض النحويين إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظاً مما يشبهه، وقال بعض المحققين،"إن العثو وإن اقتضى الفساد فليس بموضوع له، بل هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد وهو مقابلة المعتدي بفعله، نحو: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو بالإضافة إلى ما قوبل به عدل، فلولا كونه جزاءَ لكان إفساداً، فبين تعالى أن العثو المنهي عنه هو المقصود به الإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} ، وقد يكون في صورة العثو، والتعدي ما هو صلاح وعدل على ما تقدم، وهذا ظاهر."
«فإن قيل» : كيف قال: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، وكان لهم المن والسلوى؟
قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
«إن قيل» : إن هذا يكون إلجاء، ولا يستحق به الثواب؟
قيل: لم يستحقوا الثواب بالالتزام، وإنما استحقوا بالعمل بها من بعد، فأما في التزامها فمضطرون.
وقال بعض الناس:"عني برفع الطور تشديد الأمر عليهم وجعل ذلك مثلا"، وذلك بعيد.
«فإن قيل» : لم قال (لما بين يديها) ولم يقل لمن بين يديها؟