فإن هذا الخطاب أصله خطاب أهل الكتاب، وكانت لهم رئاسة عند أتباعهم، فقيل لهم: استعينوا على ما يُذْهِبُ عنكم شهوَة الرياسة بالصلاة لأن الصلاة يتلى فيها ما يُرغب فيما عند اللَّه، ويزهد في جميع أمر الدنيا، ودليل ذلك قوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ) .
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46)
الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين كانوا ضُلالاً كافرين.
والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة، قال دريد بن الصمة:
فقُلْت لهم ظُنوا بألْفيْ مُقاتِل ... سَراتهُمُ في الفارِسيّ المُسَرَّدِ
ومعناه أيقنوا.
وقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين:
إِن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه.
وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا.
قال أبو إِسحاق: وهذا سمعته من إِسماعيل بن إِسحاق القاضي رحمه اللَّه رواه عن زيد بن أسلم.
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ...(48)
وتقول: لا يُقْبَلُ منها شفاعةٌ، ولا تُقْبلُ، لأن معنى تأنيث ما لا يُنْتجُ غير حقيقة، فلك في لفظه في الفعل التذكير والتأنيث، تقول: قبِل منك الشفاعة، وقدْ قُبلتْ منك الشفاعة.
وكذلك (فمن جاءَه موعظةٌ) لأن معنى موعظة ووعظ، وشفاعة وشفع واحد.
فلذلك جاء التذكير والتأنيث على اللفظِ والمعنى.