فِي التَّصَدُّقِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ: وَأَنْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْمُعْسِرِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذْ لَا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا الْحَذْفُ لِلْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى ذِكْرُ الْمُعْسِرِ وَذِكْرُ رَأْسِ الْمَالِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّصَدُّقَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [الْبَقَرَةِ: 237]
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَدُّقِ الْإِنْظَارُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إِلَّا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ»
وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِنْظَارَ ثَبَتَ وَجُوبُهُ بِالْآيَةِ الْأُولَى، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ خَيْرٌ لَكُمْ لَا يَلِيقُ بِالْوَاجِبِ بَلْ بِالْمَنْدُوبِ.
* الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ حُصُولُ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وَفِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا التَّصَدُّقَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ، فَجَعَلَ الْعَمَلَ مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى الْعُصَاةِ
وَالثَّانِي: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ التَّصَدُّقِ عَلَى الْإِنْظَارِ وَالْقَبْضِ
وَالثَّالِثُ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ أَصْلَحُ لَكُمْ.
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(281)
الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ، الْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الرُّجُوعَ إِلَى عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ، فَإِنَّهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا لَكِنْ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تُرْجَعُونَ (فِيهِ) إِلَى اللَّهِ لَهُ مَعْنَيَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ.