قُلْنَا: قَالَ الْفَرَّاءُ: دَخَلَتِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَهَا مُضْمَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً، كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْحِمَارِ شَرْطًا، وَجَعْلُهُ آيَةً جَزَاءً، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ: (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً) كَانَ الْمَعْنَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا مِنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) [الْأَنْعَامِ: 105] وَالْمَعْنَى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنَا الْآيَاتِ (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الْأَنْعَامِ: 75] أَيْ وَنُرِيَهُ الْمَلَكُوتَ.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260)
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُسَمِّ عُزَيْرًا حِينَ قَالَ: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) [البقرة: 259] وسمى هاهنا إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَحْثِ فِي كِلْتَا الْقِصَّتَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالسَّبَبُ أَنَّ عُزَيْرًا لم يحفظ الأدب، بل قَالَ: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) وَإِبْرَاهِيمُ حَفِظَ الْأَدَبَ فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ رَبِّ ثُمَّ دَعَا حَيْثُ قَالَ: (أَرِنِي) وَأَيْضًا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَاعَى الْأَدَبَ جَعَلَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ فِي الطُّيُورِ، وَعُزَيْرًا لَمَّا لَمْ يُرَاعِ الْأَدَبَ جَعَلَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ فِي نَفْسِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يُشَاهِدُونَ الْحَشْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَرِنِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، فقال: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) عَلَى أَنْ خَصَصْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِمَزِيدِ هَذَا التَّشْرِيفِ.