فَنَقُولُ: هُوَ اسْتِئْنَافٌ كَالْبَيَانِ لِسَبَبِ الْإِحْلَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُلَابَسَةِ قَلَّ صَبْرُكُمْ عَنْهُنَّ، وَضَعُفَ عَلَيْكُمُ اجْتِنَابُهُنَّ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكُمْ فِي مُبَاشَرَتِهِنَّ.
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَكَيْفَ يُشَبَّهُ الصُّبْحُ الصَّادِقُ بِالْخَيْطِ، مَعَ أَنَّ الصُّبْحَ الصَّادِقَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ وَالْخَيْطَ مُسْتَطِيلٌ؟
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْقَدْرَ مِنَ الْبَيَاضِ الَّذِي يَحْرُمُ هُوَ أَوَّلُ الصُّبْحِ الصَّادِقِ، وَأَوَّلُ الصُّبْحِ الصَّادِقِ لَا يَكُونُ مُنْتَشِرًا بَلْ يَكُونُ صَغِيرًا دَقِيقًا، بَلِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّبْحِ الْكَاذِبِ أَنَّ الصُّبْحَ الْكَاذِبَ يَطْلُعُ دَقِيقًا، وَالصَّادِقُ يَبْدُو دَقِيقًا، وَيَرْتَفِعُ مُسْتَطِيلًا فَزَالَ السُّؤَالُ.
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(188)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ مِنَ النَّبَاتِ، أَوْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، أَمَّا الْمَعَادِنُ وَهِيَ أَجْزَاءُ الْأَرْضِ فَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَضُرُّ بِالْأَكْلِ، وَهُوَ مَا يَجْرِي مَجْرَى السُّمِّ، وَأَمَّا النَّبَاتُ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إلا مَا يُزِيلُ الْحَيَاةَ وَالصِّحَّةَ أَوِ الْعَقْلَ، فَمُزِيلُ الْحَيَاةِ السُّمُومُ، وَمُزِيلُ الصِّحَّةِ الْأَدْوِيَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَمُزِيلُ الْعَقْلِ الْخَمْرُ وَالْبِنْجُ وَسَائِرُ الْمُسْكِرَاتِ.
وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَتَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُؤْكَلُ وَإِلَى مَا لَا يُؤْكَلُ، وَمَا يَحِلُّ إِنَّمَا يَحِلُّ إِذَا ذُبِحَ ذَبْحًا شَرْعِيًّا ثُمَّ إِذَا ذُبِحَتْ فَلَا تَحِلُّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا بَلْ يَحْرُمُ مِنْهَا الْفَرْثُ وَالدَّمُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.